الذين حبستهم قريش، ومنعتهم من الهجرة إلى الله، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فكانوا يعانون الغربة؛ بل والفتنة عن دينهم، حتى افتتن منهم من افتتن، ثم تاب الله عليهم [1] .
فغربة هؤلاء القوم، ومقامهم بين ظهراني المشركين، وغربة النجاشي في الحبشة، وما شاكل هذا وذاك؛ هي غربة خاصة؛ لأنها لا تعدو أن تكون حالات فردية يضطر إليها المؤمنون: إما من قبيل تحصيل مصلحة راجحة لا تحصل إلا بذلك، أو من قبيل دفع مفسدة راجحة لا تندفع إلا بذلك، وإما من قبيل الإلجاء والإكراه والاضطرار.
ومن هذه الأمثلة يتضح أن هذه الغربة يمكن أن تحدث في كل وقت، فقد حدثت لبعض المؤمنين حتى بعد الهجرة، وبعد التمكين.
أما النوع الثاني من الغربة: فهو الغربة العامة، وهي التي يتضح فيها بصورة أشمل معنى"غربة الإسلام"حيث كان المسلمون غرباء بدينهم، يلقون -جميعًا- البطش، والتنكيل من المشركين دون أن يجدوا الحماية، ودون أن يستطيعوا الدفع عن أنفسهم، كما حدث للمسلمين قبل هجرتهم إلى المدينة.
وهذه كانت الغربة القاسية التي عاناها كل مسلم؛ بدءًا بالرسول صلى الله عليه وسلم، ثم كبار أصحابه من ذوي المكانة في قومهم، ثم المستضعفين الذين كانت تصب عليهم سياط العذاب صبًا، ويصهرون في رمضاء مكة الحارة، وتلقى عليهم الصخرات العظام، وتكوى جلودهم بالنار، ويقيد بعضهم بقيد، ثم يسلم للصبيان يجرونه ويعبثون به .. !
وقد اتخذت هذه الغربة مظاهر شتى منها:
(1) انظر: تفصيل قصة احتباس المستضعفين، واستدراج المشركين لعياش ابن أبي ربيعة بعدما هاجر إلى المدينة حتى أوثقوه وردّوه إلى مكة في: