1 -الاستسرار بالدعوة:
فقد مكث الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أنزل الله عليه الوحي، إلى أن بادأ قومه بالدعوة وأعلنها ثلاث سنين يدعو من يثق به سرًا، ويتصل بأتباعه سرًا لمواصلة الدعوة وتثبيتها، حيث لم يأمره الله عز وجل، بإعلان الدعوة والصدع بها [1] .
وسرية الدعوة في أول أمرها كانت لحكمة ربانية لتحقيق التدرج -بالنسبة للداعي- بحيث لا يكلف بالصدع والإعلان من أول يوم، ولو كُلِّف صلى الله عليه وسلم بذلك لكان فيه من المشقة والعناء الشيء الكثير.
كما أن الداعية استطاع خلال هذه الفترة أن يستقطب عددًا من الأتباع والأنصار من أقاربه وأصدقائه، وخاصة الذين يتمكن من مسارتهم، وعرض الدعوة عليهم، وهؤلاء كانوا عونًا له على توسيع نطاق الدعوة، وتحقيق انتصارات ومكاسب جديدة لها في حدود السرية القائمة، ومن ثم فهم ومن آمن على يديهم كانوا خير ردء وسند للرسول صلى الله عليه وسلم عند جهره بالدعوة - بعد عون الله له وحفظه -.
ولكن مظهر الغربة كان ملمحًا واضحًا كل الوضوح في هذه السمة التي لازمت الدعوة ثلاث سنين - على الأقل-.
فالسرية إنما كانت لأن الدعوة في بدايتها، والبداية تعني الغربة، وعدم الإلف، خاصة حين نتذكر مدى البون الشاسع بين الصورة التي يريدها الإسلام، والواقع الذي تعيشه الجاهلية.
وتلك السرية اقتضت صعوبة تحرك الداعية في دعوته، فهو لا يخاطب إلا من يأمن شره ويثق به، وهذا يعني أن الدعوة تسير بخطوات بطيئة حذرة، كما اقتضت صعوبة المواظبة على تلقي مطالب الدعوة من مصدرها، وصعوبة تنفيذها، إذ كان
(1) سيرة ابن هشام: (2/ 118 - 120) .
فتح الباري: (8/ 226 - 227) .
سيرة ابن كثير: (2/ 219 - 220) .
وقصة عياش بن ربيعة رواها ابن إسحاق قال: حدثني نافع عن عبد الله ابن عمر عن عمر، وهذا إسناد حسن.
(6) ... انظر: سيرة ابن هشام: (1/ 280) .