الداخل في هذا الدين ملزمًا منذ البداية بالصلاة، ودراسة ما تيسر من القرآن - مثلًا - ولم يكن يستطيع أن يصلي بين ظهراني قومه، ولا أن يقرأ القرآن، فكان المسلمون يختفون في الشعاب والأودية إذا أرادوا الصلاة.
ويتصور المسلم اليوم - على رغم حواجز الزمان والمكان- أولئك النفر يخلصون من أهل مكة نجيًّا، ويتسللون بخفة وحذر، ويذهبون بعيدًا عن الناس حتى إذا وجدوا مطمئنًا من الأرض تلفتوا يمنة ويسرة، ثم كّبروا .. ! إنها الدعوة الجديدة الغريبة - رغم أنها الحق-، وإنهم الأتباع الصادقون الغرباء، عرفوا ما تخفيه لهم عشيرتهم، فآثروا الاستخفاء، وصبروا على مصاعبه حينًا من الدهر، حتى تنمو الدعوة، ويصلب عودها .. ، وهم مع ذلك في انتظار التوجيهات الربانية التي لو طلبت منهم أن يصرخوا بدعوتهم في نادي قريش لما ترددوا ... !
عن عفيّف بن عمرو [1] رضي الله عنه قال: كنت امرءًا تاجرًا، وكنت صديقًا للعباس بن عبد المطلب في الجاهلية، فقدمت لتجارة فنزلت على العباس بن عبد المطلب بمنى، فجاء رجل فنظر إلى الشمس حين مالت فقام يصلي، ثم جاءت امرأة فقامت تصلي، ثم جاء غلام حين راهق الحلم فقام يصلي، فقلت للعباس: من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي يزعم أنه نبي، ولم يتابعه على أمره غير هذه المرأة، وهذا الغلام، وهذه المرأة خديجة بنت خويلد امرأته، وهذا الغلام ابن عمه: علي بن أبي طالب، قال عفيف الكندي -وأسلم وحسن إسلامه-: لوددت أني كنت أسلمت يومئذ، فيكون لي ربع الإسلام [2] !.
يقول ابن إسحاق:"وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب، مستخفيًا من أبيه أبي طالب، ومن جميع أعمامه وسائر"
(1) هو: عُفَيّف - بالتصغير، بضم العين المهملة، وفتح الفاء الموحدة، والياء المشددة ثم فاء - هذا هو الراجح في ضبط اسمه - ابن عمرو وقيل ابن قيس.
ولقب عفيفًا لقوله:
وقالت لي: هلمّ إلى التصابي .. ... فقلت: عففت عما تعليينا
وهو صحابي: انظر: الإصابة: (7/ 17 - 18) رقم الترجمة (5579) .
تهذيب التهذيب: (7/ 236) .
الاستيعاب: (9/ 82 - 87) ، رقم الترجمة (2036) .
مسند أحمد - بتحقيق شاكر: (3/ 218 - 223) .
(2) الحديث رواه الحاكم في مستدركه - كتاب معرفة الصحابة- خديجة بنت خويلد- رضي الله عنها وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد معتبر من أولاد عفيف بن عمرو.
وقال الذهبي: صحيح: (3/ 183) .
ورواه ابن إسحاق في السير: إسلام علي رضي الله عنه: ص (137 - 138) .
والإمام أحمد في المسند: (1/ 209) .
والبخاري في التاريخ الكبير: (7/ 74 - 75) ، في ترجمة عفيف، رقمها (341) .
والطبري في التاريخ (2/ 311، 312) ، فيمن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به بعد خديجة.
والعقيلي في الضعفاء الكبير، في ترجمة إسماعيل بن إياس بن عفيف، رقمها (87) ، (1/ 80) . ...
والطبراني في المعجم الكبير: في ترجمة عفيف: (18/ 100) .
وابن عدي في الكامل، في ترجمة إياس بن عفيف: (1/ 410) .
والبيهقي في الدلائل، في باب من تقدم إسلامه من الصحابة: (2/ 162) .
وابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة عفيف، ورقمها (2036) : (9/ 83 - 85) ، وفي ترجمة علي بن أبى طالب، ورقمها (1855) : (8/ 143 - 145) .
وابن سيد الناس في عيون الأثر بسنده، في ذكر أول الناس إيمانًا: (1/ 93) .
ونسبه ابن حجر في الإصابة للبغوي وابن أبي خيثمة وابن منده وصاحب الغيلانيات: (7/ 18) .
ومدارهم على يحيى بن الأشعث - أو ابن أبي الأشعث- الكندي من أهل الكوفة، عن إسماعيل بن إياس بن عفيف، عن أبيه، عن جده عفيف.
ويحيى ترجمه البخاري وابن أبي حاتم فلم يذكراه بجرح ولا تعديل، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: التاريخ الكبير: (8/ 261) ، الجرح والتعديل: (9/ 129) ، الثقات: (9/ 251) ، تعجيل المنفعة ص (438) ، لسان الميزان: (6/ 241) .
وإسماعيل بن إياس قال فيه البخاري: في حديثه نظر، وهي من أشد ألفاظ الجرح عنده، وذكره ابن أبي حاتم وقال: روى عن أبيه، روى عنه يحيى .. سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ذلك.
قال أبو زرعة:"يعد من المدنيين"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: ليس هو بالمعروف. انظر: التاريخ الكبير: (1/ 345) ، الجرح والتعديل: (2/ 159) ، الثقات: (6/ 35) ، الكامل: (1/ 305) ، اللسان: (1/ 395) .
وأبوه إياس، قال البخاري: فيه نظر، وذكره ابن أبي حاتم وقال: يعد في الحجازيين، سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ذلك، ولم يذكر فيه عنهما جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: التاريخ الكبير: (1/ 441) ، الجرح والتعديل: (2/ 280) ، الثقات: (4/ 34) ، الكامل: (1/ 410) ، اللسان: (1/ 475) ، التعجيل ص (44) . فهذا الإسناد ضعيف جدًا.
ولكن جاء الحديث من طريق آخر:
وهي رواية سعيد بن خثيم عن أسد بن عبد الله البجلي عن يحيى بن عفيف عن أبيه عفيف.
انظر: الجرح والتعديل: (2/ 367، 379) ، الثقات: (8/ 140) الميزان: (1/ 325) ، اللسان: (2/ 34) .
فهذا الإسناد - أيضًا- ضعيف.
ولعل الحديث - بمجموع الطريقين الأخيرين حسن لغيره - إن شاء الله-، أما الطريق الأولى فهي غير منجبرة لشدة ضعفها.
وقد قال الإمام ابن عبد البر في الاستيعاب (9/ 83) :"حديث حسن جدًّا"، وإن كان يحتمل أنه قصد الحسن المعنوي؛ لأنه قد يقول ذلك في أحاديث يذكر عللها، مثل قوله:"حديث حسن جدًّا، ولكن ليس له إسناد قوي"، جامع بيان العلم: (1/ 55) .
والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وسبق ذكر ذلك.
وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات: المجمع: (9/ 103،223) .
وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، المسند: (3/ 318) ، التعليق على الحديث رقم (1787) .