الصفحة 76 من 583

قومه، فيصليان الصلوات فيها ..." [1] ."

إنها الصورة الطَّبَعية لدعوة ناشئة، أتباعها لا يستكملون أصابع اليد الواحدة، النبي، وزوجه، وابن عمه الناشئ في حجره!.

وقد كان عمه العباس رضي الله عنه من القلائل الذين أثبتت الأحداث ولاءهم للدعوة، وعطفهم على أصحابها حتى قبل أن يدخلوا فيها ... دون أن يدرك المشركون هذا الولاء وهذا العطف إدراكًا واضحًا - خاصة في بداية الأمر-.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتحرج أن يطلعه على الأشياء المهمة الخطيرة في حركة الدعوة؛ بل أن يشركه فيها، كما حدث في بيعة العقبة.

إن الدعوة إلى الله لم تنزل لتكون دعوة سرية يخاطب بها الفرد بعد الفرد؛ بل نزلت لإقامة الحجة على العالمين، وإنقاذ من شاء الله إنقاذه من الناس من ظلمات الشرك والجاهلية إلى نور الإسلام والتوحيد.

ونزلت لتحكم الحياة البشرية، وتهيمن عليها في جميع شؤونها، وتكون ميزانًا عدلًا وقسطاسًا مستقيمًا يحكم على الأوضاع والأعمال والآراء والنظريات والأشخاص بالحكم العدل النابع من وحي الله وتنزيله.

ولذلك كشف الله تعالى عن حقيقة هذه الدعوة وميدانها منذ خطواتها الأولى، فحين كانت الدعوة محصورة بين شعاب مكة وجبالها، تعاني آلام البداية والغربة - وهي آلام تذيب الفؤاد- كان القرآن ينزل ببيان شمول الدعوة وعالميتها: (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) [2] ، (وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) [3] ، (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) [4] .

(1) سيرة ابن هشام: (1/ 263) .

وهذا الحديث المرسل يشهد له ما سبق من حديث عفيف الكندي، وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما.

(2) سورة يوسف: آية 104، وسورة ص: آية 87.

(3) سورة القلم: آية 52.

(4) سورة الأنعام: آية 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت