الصفحة 77 من 583

وهذا الذكر - أو الذكرى- يقصد به مخاطبة هؤلاء الناس بالدعوة

وتوجيهها إليهم، والإبانة عن مضمونها بينهم، بحيث يتمكنون من معرفتها على حقيقتها، ثم يقبلونها أو يردونها عن علم وإدراك.

ولذلك جاءت آيات أخر تخص الذكر والذكرى للمؤمنين، أو للعابدين، أو للمتقين، أو للمنيبين، أو لأصحاب القلوب ... ، إذ إن هؤلاء هم الذين ذُكروا فتذكروا، ووعظوا فاتعظوا، ودعوا فآمنوا.

والدعوة جاءت لهذا وذاك .. جاءت لتخاطب البشر -كل البشر- ولتنقذ منهم من سبقت له من الله الحسنى.

وهذا يعني -بداهة- أن الدعوة جاءت ومن خصائصها: الإعلان، والصدع، والبلاغ، والبيان، والإنذار، وتحمل ما يترتب على هذا من التكذيب، والإيذاء، والقتل، وغيره.

وإذا ظهرت هذه السمة والخصيصة - قضية عامة أصلية- بان دون خفاء أن استسرار النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته أول الأمر، إنما هو حال استثنائي، لظروف وملابسات خاصة، هي ظروف بداية الدعوة، وضعفها، وغربتها، وينبغي أن يفهم ضمن هذا الإطار.

وإن كان الكتمان والاستسرار سياسة مصلحية في كثير من أمور الإسلام في الحرب والسلام، فهو كذلك في موضوع الدعوة، لكن لابد أن ندرك الفرق بين مسألة الدعوة وسائر المسائل الأخرى.

فالاستسرار بالدعوة كلها أمر مخالف للأصل الثابت المستقر، فلا يجوز اللجوء إليه إلا عند الضرورة، وأعني بالدعوة بيان دين الله وشرعه وحكمه.

أما الاستسرار بما سوى ذلك من الوسائل والخطط والتفصيلات، فهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت