أمر مصلحي خاضع للنظر والاجتهاد البشري، إذ لا يترتب عليه كتمان للدين، ولا سكوت عن حق، ولا يتعلق به بيان، ولا بلاغ.
ومن ذلك - مثلًا- معرفة عدد الأتباع المؤمنين بالدعوة، فهذا أمر مصلحي لا يخل بقضية البلاغ والنذارة التي نزلت الكتب وبعثت الرسل من أجلها، فيمكن أن يظل سرًّا - متى كانت المصلحة في ذلك-، مع القيام بأمر الدعوة والتبليغ.
ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم حتى بعد أن صدع بدعوته، وأنذر الناس وأعلن النبوة؛ ظل يخفي أشياء كثيرة لا تؤثر على مهمة البلاغ والبيان، كعدد أتباعه، وأين يجتمع بهم، وما هي الخطط التي يتخذونها إزاء الكيد الجاهلي؟ ومن ذلك قصة الهجرة وهي في الصحيحين، ومرَّ تخريج طرف من حديثها.
وبعد هذا العرض المجمل يتضح جانب من الغربة الخاصة والعامة، التي واجهتها الدعوة بذاتها، وواجهها الداعية الأول صلى الله عليه وسلم، ومن معه من الأفراد القلائل، وعموم هذه الغربة وإطباقها وهي أشد ما يتصور في غربة الإسلام، أن يضطر المسلم الداعية إلى كتمان إيمانه.
2 -قلة الأتباع:
ولقد كان من النتائج الطبعية لجدة الدعوة وحداثتها وسريتها، أن يكون أتباعها أفرادًا معدودين - أول أمرهم -، وكان هذا مظهرًا من مظاهر الغربة. فكان عفيّف الكندي رضي الله عنه يتمنى لو أسلم ليكون ربع الإسلام - كما سبق - لكننا نجد من الصحابة غيره من يقول إنه فعلًا كان ثلث الإسلام، أو ربع الإسلام، أو خمسه، أو سدسه!.
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: