الصفحة 81 من 583

ولكن هذه القلة القليلة كانت ذات أثر عظيم في حاضر الدعوة ومستقبلها، وقد انطلقوا يحملون هذه الدعوة بحماس شديد، ويدعون إليها من يستطيعون لا يحول بينهم وبين ذلك حائل، إلا أن تكون القيود الحديدية التي تثقل قريش بها أقدام الأرقاء من المؤمنين.

ولقد أسلم على يدي رجل واحد - هو أبو بكر رضي الله عنه- عدد كبير من مبرزي الصحابة ومقدميهم؛ كالزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم أجمعين [1] .

لقد كان الرجل يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم الآية والآيتين، ويتشهد شهادة الحق ثم ينطلق من ساعته داعية إلى دين الله.

وهذه صورة عظيمة من صور الانفعال بهذا الدين، والاستجابة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم.

صورة المؤمن الذي لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال، حتى يحقق في واقع الحياة ما يشبع به الوجدان، من حرارة الإيمان، دون أن يكون هذا الانطلاق دفعة عاطفية مؤقتة سرعان ما تخمد وتخبو وتزول، وشبهها ما حكاه الله تعالى عن مؤمني الجن في قوله: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ الله وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [2] .

(1) انظر: سيرة ابن هشام: (1/ 267 - 269) ، والسيرة النبوية لابن كثير (1/ 437 - 439)

(2) سورة الأحقاف: الآيات 29 - 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت