الصفحة 82 من 583

إنهم يستمعون فينصتون، فإذا قضي لم يكتفوا بالإيمان به فحسب؛ بل يزيدون على ذلك أن يتحولوا إلى"منذرين"، تتحرك في نفوسهم روح النذارة والدعوة والبلاغ.

وليس يهم: هل استجيب لهم أم لا؟ بل ليس يهم: هل مُكِّنوا من الإنذار أم لا؟ إنما المهم أنهم ولوا منذرين، تمتلئ نفوسهم بالإشفاق على قومهم، والرغبة في هدايتهم.

وهذا كان شأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين، حتى المقيدين المكبلين المعذبين، ما كان فيهم من رضي أن يكون هو بنفسه مسلمًا ثم يدع أمر الناس للناس.

لقد خالطت بشاشة الإيمان وحرارته وتوقده شغاف قلوبهم، فتحركت الجوارح بالطاعة والاستجابة.

ولذلك فقد كانوا قليلًا عددهم، عظيمًا شأنهم، حيًّا إيمانهم. وإنك لتعجب حين تتأمل أسماء الطليعة الأولى من جيل الصحابة ممن آمن في أول البعثة، فتجد الأسماء نفسها ظلت في المقدمة إلى أبد الدهر، ومنها كان رجالات الحكم والسياسة والحرب، وأئمة العلم والفقه والفتيا، والمقدمين في سائر أمور الدنيا والدين!.

ومن هؤلاء كان أبو بكر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، ومصعب ابن عمير، وغيرهم كثير.

وهذه القلة المؤمنة المغتربة، كانت تشعر شعورًا عميقًا بالغربة، ولكن هذا الشعور كان من نوع خاص، غير ما يعتاده الناس.

فالغريب - عادة- يشعر بالذل، ويقنع باليسير، ويرضى بالدون، كما قيل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت