إن الغريب له استكانة مذنب
وخضوع ذي دَيْن، وذل مُريبِ [1]
أما الغرباء الأولون من أتباع النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا كذلك على رغم شدة غربتهم، وأن أكثرهم كانوا من المستضعفين والعبيد.
لقد نفخ فيهم الإسلام روح العزة والكرامة، وأيقظ لديهم الشعور بإنسانيتهم المكرمة المختارة، ومنحهم من الاستعلاء بالإيمان، ما جعلهم يضربون أروع الأمثلة في الصبر والتحمل والثبات على الدين.
وغرس في قلوبهم من الإيمان بالآخرة ونعيمها، ما جعل الدنيا - في أعينهم- هينة زهيدة، تبذل رخيصة في مرضاة الله.
كما أعطاهم من الثقة والاطمئنان لمستقبل هذا الدين، ما جعلهم يتحملون مرارة الواقع الأليم تطلعًا للمستقبل الذي وعد الله به المؤمنين، رجاء أن يكتب الله على أيديهم نصر هذا الدين وإعزازه.
ولقد كان دخول الواحد منهم في الإسلام، وشعوره بالقرب من الله، وأنسه بربه، وحياة قلبه وقرة عينه بسماع القرآن؛ سببًا في شعورهم الحقيقي بالتميز عن الجاهلية من حولهم، الجاهلية التي تضج بالفوضى، والفساد، والجفاف، والانحلال.
فكان يصاحب شعورهم بالغربة، شعور بالتميز والاستعلاء والفوقية على الكافرين، ثم شعور بوجوب غزو هذا المجتمع الجاهلي، وتقويض أركانه؛ ولذلك لم تؤثر فيهم تلك الغربة آثارًا سلبية، ولم تضعف من يقينهم وحرارة إيمانهم؛ بل كانت تشكل"التحدي"الذي يثير المشاعر، ويستفز الطاقات، ويفجر القدرات.
وهذا يدعو - مرة أخرى - للتأكيد على الفرق الواضح بين غربة
(1) وسبق الحديث عن"غربة الحنفاء في الجاهلية"، وبيان طبيعة تلك الغربة.