الصفحة 84 من 583

الحنفاء في الجاهلية، وغربة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

إن غربة أولئك كانت النهاية، فهم نماذج باقية تتقلص يومًا بعد يوم

ولا تكاد تفكر بالإصلاح والتغيير، فيصدق عليهم قول القائل:

إذا ما مضى القرن الذي أنت فيهم

وخلفت في قرن فأنت غريب!

أما غربة هؤلاء فهي غربة البداية، والبداية مليئة بالآمال والمطامح، والمشاعر القوية الفياضة، ومليئة بالعمل، والتحرك، والانطلاق؛ لنشر هذا الدين، ودعوة الناس إليه، والجهاد لتحقيقه في عالم الواقع.

ولا شك أن الحركة بهذا الدين في واقع الحياة هي من أعظم أسباب احتفاظ الداعية بإيمانه؛ بل من أعظم أسباب نماء الإيمان وزيادته، وتعمقه في القلب، ومخالطته لذرات النفس.

ذلك أن الداعي الذي جعل همه دعوة الناس إلى هذا الدين، سوف تتكيف مشاعره مع دعوته، فيحزن من أجل دعوته، ويفرح من أجلها، ويغضب ويرضى، ويحب ويكره من أجلها .. فتصطبغ روحه ومشاعره بهذه الدعوة، وتصبح دعوته جزءًا لا يتجزأ من حياته وشخصيته وتكوينه، وهذه ضمانة قوية للصبر والثبات على هذا الدين.

هذا فوق أن الصبر والثبات منحة إلهية يهبها الله للمجاهدين في سبيله، ولهذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [1] ، وذلك في سورة العنكبوت التي افتتحت بالحديث عن الابتلاء والفتنة والإيذاء في الله.

(1) سورة العنكبوت: آية 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت