الصفحة 88 من 583

ولكبار أصحابه من ذوي المنعة والجاه؛ لطال الأمر، وفي الصحيحين فضلًا عن غيرهما من ذلك الشيء الكثير؛ بل بلغ بهم الحال أن حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم فلم يستطيعوا- كما سبق في حديث عمرو بن عبسة-. وقد ازداد إيذاؤهم له صلى الله عليه وسلم وتجرؤوا عليه بعد وفاة عمه أبي طالب؛ لأنه كان يحوطه ويحميه، فلما مات أقدمت قريش على ما لم تكن تقدم عليه من قبل، حتى ضيقت عليه الخناق، فصار يفكر صلى الله عليه وسلم في البحث عن موطن للدعوة خارج مكة.

أما المستضعفون من أصحابه فقد نطق قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه السابق بألوان من التعذيب لهم من إلباسهم أدراع الحديد، وصهرهم في الشمس، وطواف صبيان مكة ببعضهم في شعاب مكة ونواحيها.

وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: يا أبا عباس! أكان المشركون يبلغون من المسلمين في العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ فقال: نعم، والله إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه، ويعطشونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي به، حتى إنه ليعطيهم ما سألوه من الفتنة!.

وحتى يقولوا: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. وحتى إن الجعل ليمر بهم، فيقولون: أهذا الجعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم؛ افتداء منهم، لما يبلغون من جهده [1] .

وقد روت كتب السير صورًا محزنة من إيلام قريش للمؤمنين، وللضعفاء خاصة من العبيد، والنساء، والشيوخ المسنين، كما حدث لياسر، وسمية، وعمار، وبلال، وخباب، وعامر بن فهيرة، والزّنّيرة، وجارية بني مؤمل، وغيرهم كثير [2] .

(1) رواه ابن إسحاق في السير والمغازي، من عذب في الله بمكة من المؤمنين، ص (192 - 193) .

وهو في السيرة النبوية لابن هشام، في ذكر عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم بالأذى والفتنة: (1/ 342 - 343) .

ورواه البيهقي في السنن، في كتاب المرتد - باب: المكره على الردة: (8/ 209) .

ورجال إسناده كلهم ثقات، خلا ابن إسحاق فإنه يخشى منه التدليس، وقد صرح في هذه الرواية بالتحديث، وخلا شيخه حكيم ابن جبير، فإنه شيعي، وأكثر العلماء على تضعيفه، وقال أبو زرعة: محله الصدق - إن شاء الله -.

انظر في ترجمته: التاريخ الكبير: (3/ 16) ، الجرح والتعديل (3/ 201) ، التهذيب: (2/ 445) ، الميزان: (1/ 583) ، التقريب (1/ 193) .

فالحديث ضعيف، ولكن يشهد له حديث ابن مسعود السابق، وقصة تعذيب عمار، فقد جاء عند الطبري وغيره أن قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ الله ولهم عذابٌ عظيم) [سورة النحل: آية106] .

نزل في عمار بن ياسر؛ بل قال ابن حجر:"اتفقوا على أنها نزلت فيه"الإصابة: (7/ 65) .

وقال ابن عبد البر:".. فنزلت فيه (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ) وهذا مما اجتمع أهل التفسير عليه"الاستيعاب: (8/ 226) وذلك أن المشركين ضربوه حتى باراهم في بعض ما يريدون ونال من النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير.

انظر: تفسير الطبري سورة النحل: (14/ 181 - 182) .

وقصته رواها الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير: (2/ 357) .

وإسناده حسن، سوى أنه مرسل، فهو من رواية أبي عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر ...

وأبو عبيدة صدوق. انظر: التهذيب: (12/ 160) ، اللسان: (4/ 549) ، وكذلك أبوه. انظر: الجرح والتعديل: (8/ 43) ، التهذيب: (9/ 359) ، الثقات: (5/ 357) .

(2) ومن طريق الحاكم رواها البيهقي في سننه: كتاب المرتد، باب المكره على الردة، (8/ 208) .

وسيأتي مزيد تخريج لهذه القصة في رسالة قادمة عن العزلة والخلطة تحت فصل"التقية".

(31) ... انظر: السير والمغازي لابن إسحاق: ص (154، 189 - 194) .

سيرة ابن هشام: (1/ 339 - 343) .

السيرة النبوية لابن كثير: (1/ 493 - 497) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت