لقد كانوا رضي الله عنهم يجهدون، وكان محمد صلى الله عليه وسلم يجهد من ورائهم ولا يملك أن يدفع عنهم شيئًا مما هم فيه، ولكنه يذكرهم بعظيم الأجر الذي ينتظرهم عند الله على صبرهم واحتسابهم، وكانوا مؤمنين حق الإيمان بما عند الله، حتى لكأنهم يرونه رأي العين.
ويذكرهم صلى الله عليه وسلم بما عاناه وقاساه من كانوا قبلهم من المؤمنين، من صنوف العذاب المُمِضِّ الأليم، من تقطيع الأوصال، ونشر اللحم بالمنشار وغير ذلك ..
ويذكرهم بالمستقبل الذي وعد الله به هذا الدين وأهله، وأنه سيتم الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه.
عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بياسر وعمار وأم عمار، وهم يؤذون في الله تعالى، فقال لهم: صبرًا يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة [1] .
وعن خباب رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال:"لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم، أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه. وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله". زاد بيان [2] :"والذئب على غنمه" [3] .
يا سبحان الله! ماذا جرى حتى احمر وجه المصطفى صلى الله عليه
(1) رواه أبو أحمد الحاكم من طريق عقيل، عن الزهري، عن إسماعيل ابن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، كما في الإصابة في ترجمة ياسر العنسي - بالنون- ورقمها (9209) ، (10/ 331) ، وفي الاستيعاب في ترجمة ياسر ورقمها (2822) ، (11/ 100 - 101) .
وعُقيل -بضم العين، وفتح القاف- هو ابن خالد الأيلي: ثقة ثبت. انظر: التهذيب: (7/ 255) ، التقريب: (2/ 29) .
والزهري: إمام مشهور، ومضى.
وإسماعيل بن عبد الله: ثقة. انظر: التهذيب: (1/ 306) ، التقريب (1/ 70) .
وهذا إسناد صحيح، وهو من مراسيل الصحابة.
انظر: التهذيب: (5/ 170) .
والخبر رواه ابن إسحاق في السير والمغازي مرسلًا حيث قال: فحدثني رجال من آل عمار بن ياسر، في باب: من عذب في الله بمكة من المؤمنين. ص (192) .
وهو في السيرة النبوية لابن هشام، في ذكر عدوان المشركين على المستضعفين: (1/ 342) .
ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده -كما في المطالب العالية-، وأبو أحمد الحاكم، وابن منده -كما في الإصابة- من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن عثمان رضي الله عنه، وهو منقطع، وقال أبو زرعة: سالم عن عمر وعثمان وعلي: مرسل.
المطالب العالية - كتاب المناقب - باب فضل عمار بن ياسر، رقم (4034) : (4/ 87) .
الإصابة - الموضع السابق: (10/ 332) ، المراسيل لابن أبي حاتم رقم الترجمة (126) ص (80) .
ورواه الإمام أحمد من طريق عمرو بن مرة عن سالم عن عثمان، وفيه العلة السابقة: (1/ 62) .
وهكذا أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عمار ورقمها (22) : (1/ 140) .
ورواه الحاكم في المستدرك، والطبراني في الأوسط من طريق أبي الزبير عن جابر، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وهو ثقة.
المستدرك، كتاب معرفة الصحابة، مناقب عمار بن ياسر: (3/ 388، 389) .
مجمع الزوائد، 40 - كتاب المناقب، باب فضل عمار بن ياسر وأهل بيته: (9/ 293) .
وسبق الكلام في رواية أبي الزبير عن جابر، وليست هاهنا من طريق الليث.
ونسبه ابن حجر للإمام أحمد في الزهد من طريق يوسف بن مالك مرسلًا. الإصابة: (10/ 331) .
وهذه كلها شواهد للحديث الأصل.
(2) هو: بيان بن بشر الأحمسي الكوفي المعلم، أبو بشر - أحد رواة الحديث، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب: (1/ 506) .
(3) رواه البخاري في: 63 - مناقب الأنصار، 29 - باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه .. (4/ 238) .. وهذا لفظه.
وفي: 61 - كتاب المناقب، 25 - باب علامات النبوة في الإسلام: (4/ 179) .
وفي أوله زيادة: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟، وفي آخره: ولكنكم تستعجلون.
وفي: 89 - كتاب الإكراه، 1 - باب من اختار القتل والضرب والهوان على الكفر: (8/ 56) .
وعلقه في: 77 - كتاب اللباس، 18 - باب البرود والحِبَرة والشملة: (7/ 40) .
وأبو داود في: 9 - كتاب الجهاد، 107 - باب في الأسير يكره على الكفر، رقم (2649) ، (3/ 108) .
والنسائي في: 48 - كتاب الزينة، - باب لبس البرود: (8/ 204) .
و الإمام أحمد في المسند: (5/ 110 - 111) ، (6/ 395) .
وأبو نعيم في الحلية في ترجمة خباب، ورقمها (23) ، (1/ 144) .