وسلم، وقعد من ضجعته؟ وخاطب أصحابه بهذا الأسلوب القوي المؤثر، ثم عاتبهم على الاستعجال؟
لأنهم طلبوا الدعاء منه صلى الله عليه وسلم؟!
كلا. حاشاه من ذلك، وهو الرؤوف الرحيم بأمته.
إن أسلوب الطلب: ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ يوحي بما وراءه، وأنه صادر من قلوب أمضها العذاب، وأنهكها الجهد، وهدتها البلوى، فهي تلتمس الفرج العاجل، وتستبطئ النصر، فتستدعيه.
وهو صلى الله عليه وسلم يعلم أن الأمور مرهونة بأوقاتها، وأسبابها، وأن قبل النصر البلاء، فالرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة [1] .
(حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) [2] ، ويلمس عليه السلام من واقع أصحابه، وملابسات أحوالهم، بَرَمَهم بالعذاب الذي يلاقون، حتى ليفتنون عن دينهم، ويستعلي عليهم الكفرة، ويموت منهم من يموت تحت التعذيب.
وقد لا يكون من الميسور أن يدرك المرء - بمجرد قراءة النص- حقيقة الحال التي كانوا عليها حين طلبوا منه عليه الصلاة والسلام الدعاء والاستنصار، ولا أن يعرف المشاعر والإحساسات التي كانت تثور في نفوسهم إلا أن يعيش حالًا قريبًا من حالهم، ويعاني - في سبيل الله - بعض ما عانوا.
لقد كان صلى الله عليه وسلم يربيهم على:
(أ) التأسي بالسابقين من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم في تحمل الأذى في سبيل الله، ويضرب لهم الأمثلة في ذلك.
(1) سيأتي ذلك في حديث ابن عباس عن أبي سفيان رضي الله عنهما.
(2) سورة يوسف: آية 110.