الصفحة 93 من 583

فلمَّا جهر الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوته، واستحكمت عدواته في نفوسهم؛ نسوا كل ما تعارفوا عليه من جميل الخصال، وأصبح الذين يطعمون الضيفان، ويلتمسون المحتاجين والمعوزين؛ يبخلون بالحقوق على الجيرة والقرابة، ويمنعونهم الميرة والطعام بالقيمة، ويحاصرونهم سنتين أو ثلاثًَا في الشعب - شعب أبي طالب- حصارًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا، حتى ليضطرونهم إلى أكل ورق الشجر، وحتى ليصيبهم ظلف العيش وشدته، إلى حد أن أحدهم يخرج ليبول فيسمع بقعقعة شيء تحته، فإذا هي قطعة من جلد بعير فيأخذها فيغسلها، ثم يحرقها، ثم يسحقها، ثم يستفها، ويشرب عليها الماء، فيتقوى بها ثلاثة أيام [1] ! وحتى لتسمع قريش صوت الصبية يتضاغون من وراء الشعب من الجوع!.

عن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ... ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت [2] أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك [3] ، فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا، وعند الله صغيرًا [4] .

وهذه القصة يشبه أن تكون حدثت أثناء الحصار في الشعب - والله أعلم-؛ إذ كان عتبة من السابقين إلى الإسلام [5] ، ومثله كان سعد بن أبي وقاص.

لقد أجمعت قريش على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقاطعته اجتماعيًّا واقتصاديًّا، فاجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني عبد المطلب ألا يناكحوهم ولا ينكحوا إليهم، ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا صحيفة في ذلك .. ثم عدوا على من أسلم، فأوثقوهم، وآذوهم، واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة، وزلزلوا زلزالًا شديدًا [6] .

(1) القصة حدثت لسعد بن أبي وقاص، ورواها أبو نعيم في الحلية في ترجمة سعد، من طريق محمد بن إسحاق. قال: حدثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعد، عن سعد، وصالح ثقة ولكن بعض آل سعد مبهم، ولعله إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص وهو ثقة. انظر: الحلية ترجمة رقم (7) ، (3/ 93) .

(2) أي أصابتها القروح، والأشداق جمع: شدق، وهو جانب الفم.

(3) هو سعد بن أبي وقاص.

(4) رواه مسلم في: 53 - كتاب الزهد ... برقم (14 - 15) ، (4/ 2278) .

والترمذي في الشمائل: 50 - باب ما جاء في عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، برقم (4156) : (2/ 1392) .

و الإمام أحمد في المسند: (4/ 174) ، (5/ 61) .

وأبو يعلى الموصلي في المفاريد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر مسند رقم (56) ، ص (114) .

(5) والحاكم في المستدرك، في معرفة الصحابة، مناقب عتبة بن غزوان ... (3/ 261) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

ونسبه في التحفة للنسائي في الكبرى، رقم الحديث في التحفة (9757) ، (7/ 233) .

ورواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عتبة، رقمها (27) ، (1/ 171) .

ورواه الترمذي في سننه: 40 - كتاب صفة جهنم، 2 - باب ما جاء في صفة قعر جهنم، برقم (2575) عن الحسن قال: قال عتبة، وقال الترمذي: لا نعرف للحسن سماعًا من عتبة .. (4/ 702) .

(45) ... انظر: الإصابة: (6/ 379) ، وطبقات ابن سعد: (4/ 362) .

(6) انظر: السير والمغازي لابن إسحاق، ما نال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء: ص (156) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت