وكان القرشيون عقدوا هذا الاتفاق في خيف [1] بني كنانة، فلما أذن الله بنصر دينه، وإعزاز رسوله، وفتح مكة، ثم حجة الوداع، كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤثر أن ينزل في هذا الخيف ليتذكر ما كانوا فيه من الضيق والاضطهاد، فيشكر الله على ما أنعم عليه من الفتح العظيم، ودخولهم مكة - التي أخرجوا منها- ظاهرين، على رغم أنف من سعى في إخراجهم منها من الكافرين، وليؤكد قضية انتصار الحق واستعلائه، وتمكين الله لأهله الصابرين [2] .
(وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [3] .
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أين تنزل غدًا؟ - في حجته-، قال:"وهل ترك لنا عقيل منزلًا؟". ثم قال:"نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة المُحصَّب، حيث قاسمت قريش على الكفر". وذلك أن بني كنانة حالفت قريشًا على بني هاشم: ألاّ يبايعوهم ولا يؤووهم.
قال الزهري: والخيف: الوادي [4] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد حنينًا:"منزلنا غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر" [5] .
وهذه الخطة الجاهلية: خطة الحصار والتجويع، مما يتواصى به أعداء الرسل من الكفار والمنافقين عبر العصور: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلله خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) [6] .
وهذه المؤامرة الجماعية -مؤامرة الشعب- لم تكن هي الكيد الوحيد في مجال التضييق والمحاصرة، كلا. بل لقد دأب عتاة الجاهلية ومَرَدَتُها على الاستخفاف بحقوق من أسلموا، وعلى ألا يرقبوا فيهم إلاًّ ولا ذمة، وعلى أن يتناسوا في سبيل إيذائهم جميع الأعراف والتقاليد المرعية، حتى لقد منعوهم
(1) الخيف: ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن سيل الماء، الفتح (8/ 15) ، وهو المحصب من منى .. انظر: معجم البلدان: (2/ 412) .
(2) انظر: فتح الباري (8/ 15) .
(3) سورة آل عمران: آية 140.
(4) رواه البخاري: 56 - كتاب الجهاد، 180 - باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم: (4/ 33) . وهذا لفظه.
وفي: 25 - كتاب الحج، 44 - باب توريث دور مكة وبيعها. (2/ 157) مختصرًا.
وفي: 64 - كتاب المغازي، 48 - باب توريث دور مكة وبيعها. (2/ 157) مختصرًا.
وفيه أنه قال: زمن الفتح، وفي الحديث الأصل: في حجته.
ورواه مسلم في: 15 - كتاب الحج،80 - باب النزول بمكة للحاج رقم (439،440) ، (2/ 984) .
ورواه أبو داود في: 5 - كتاب المناسك (الحج) ، 87 - باب التحصيب رقم (2010) (2/ 514) .
وفي: 13 - كتاب الفرائض، 10 - باب هل يرث المسلم الكافر؟ رقم (2910) ، (3/ 328) .
ونسبه المزي للنسائي في الحج، وأفاد المحقق أنه في الكبرى، ولم أجده في المخطوط، وإنما وجدت حديث أبي هريرة الآتي. رقم الحديث في التحفة (114) ، (1/ 57 - 58) .
وابن ماجه في: 25 - كتاب المناسك، 26 - باب دخول مكة، رقم (2942) ، (2/ 981) .
وفي: 23 - كتاب الفرائض، 6 - باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك، رقم (2730) ، (2/ 912) .
(5) والطحاوي في المشكل، باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوابه أسامة .. (3/ 198) .
وابن خزيمة في: كتاب المناسك، 827 - ذكر الدليل أن النبي .. أعلمهم .. أن ينزل بالأبطح، برقم (2985) ، (4/ 322) .
والبيهقي في سننه في: كتاب الحج، باب الصلاة بالمحصب (5/ 160) .
وذكر ابن حجر عن الخطيب البغدادي أن قوله: وذلك أن بني كنانة .. إلخ، مدرج في رواية الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة، وإنما هو عند الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة .. الفتح: (6/ 176) .
وانظر التعليق على الحديث الآتي.
(51) ... رواه البخاري في: 63 - مناقب الأنصار، 39 - باب تقاسم المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم: (4/ 246) وهذا لفظه.
وفي: 35 - كتاب الحج، 45 - باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم مكة: (2/ 158، وزاد: يعني بذلك المحصب، وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب، أو بني المطلب، ألاّ يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي: 64 - كتاب المغازي، 48 - باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح؟: (5/ 92) .
وفي إحدى روايتي هذا الموضع: منزلنا -إن شاء الله- إذا فتح الله الخيفُ .. الخيف مرفوع: خبر لمنزلنا، أما مفعول فَتَحَ فمحذوف.
وفي: 97 - كتاب التوحيد، 31 - باب المشيئة والإرادة: (8/ 194) .
ورواه مسلم في: 15 - كتاب الحج، 59 - باب استحباب النزول بالمحصب رقم (343 - 345) ، (2/ 952) .
وأبو داود في: 5 - كتاب المناسك (الحج) ، 87 - باب التحصيب رقم (2011) ، (2/ 515) .
والنسائي في السنن الكبرى، كتاب المناسك، باب نزول المحصب بعد النفر، (ل: 54 ب) .
وأحمد في المسند: (2/ 237،263،322،353،540) .
(6) وابن خزيمة في: كتاب المناسك، 826 - باب استحباب النزول بالمحصب، رقم (2981 - 2982) .
827 -باب ذكر الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم .. رقم الحديث (2984) ، (4/ 321 - 322) .
والبيهقي في سننه في كتاب الحج، باب الصلاة بالمحصب: (5/ 160) .
واختلفت روايات الصحيح وغيرها في هذا الحديث، ففي بعضها -كما هاهنا- حين أراد حنينًا، وفي البعض الآخر: من الغد يوم النحر وهو بمنى.
كما اختلف صنيع الأئمة فهم يثبتونها حينًا في أبواب المناسك وحينًا في أبواب المغازي والجهاد ..
وانظر: للجمع والترجيح: الفتح: (3/ 453) ، (8/ 15) .
قال الحافظ ابن حجر في الزيادة المسوقة في كتاب الحج:"ويختلج في خاطري أن جميع ما بعد قوله: يعني المحصب، إلى آخر الحديث من قول الزهري أدرج في الخبر .. ومن ثم لم يذكر مسلم في روايته شيئًا من ذلك"الفتح: (3/ 453،(8/ 15) .
(52) ... سورة المنافقون: آية 7.