الصفحة 96 من 583

موضوعها الإنسان -جنس الإنسان- كيف كان، وميدانها الأرض -كل الأرض-، ومهمتها إصلاح الحياة البشرية في جميع جوانبها الفردية والاجتماعية.

ولقد واجه الرسول صلى الله عليه وسلم مجتمع مكة بالدعوة، فلقي منهم ما لقي من التكذيب والتعذيب، ولقي أصحابه من الاضطهاد، والتنكيل، والتكبيل، ما هو فتنة للتابع، وصد لغيره، وحيلولة دون انطلاق الدعوة وانتشارها.

ولقد ظلت الدعوة محصورة بين أخشبي مكة، لا يؤمن بها خارجها إلا الفرد بعد الفرد؛ كعمرو بن عبسة، وأبي ذر رضي الله عنهما حتى أذن الله بإسلام الأنصار، وقيام الدولة.

وكان انحصار الدعوة في مكة من مظاهر الغربة الشديدة؛ لأسباب عديدة:

(أ) لأن هذا يعني احتجاب الدعوة عن الآخرين ممن يمكن أن يكونوا أكثر قبولًا لها، وإقبالًا عليها.

(ب) ولأن هذا يغري قريشًا بالضراوة في حرب الدعوة، والحماسة في صد الناس عنها، وفتنة المؤمنين بها، إذ يشعرون بأن الدعوة تحدٍّ خاصّ يواجه قريشًا، ومهمة القضاء عليها موكولة إليهم.

(ج) ولأن هذا يعرِّض الدعوة لخطر الزوال، ويعرض أتباعها للإبادة على يد القرشيين؛ لأنهم عدد قليل محصور في مكان واحد تسيطر عليه فئة معينة، ذات عقلية معينة، من الممكن أن يصل بها التفكير إلى حد التخطيط لقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وجميع أتباعه؛ بل حدث هذا فعلًا [1] .

وهذا شأن الكافرين المعاندين: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) [2] .

ونحن جميعًا نعلم - الآن- أن هذا لم يكن ليكون، وأن الله بعث

(1) أي: حدث التفكير بذلك.

(2) سورة الكهف: آية 20.

وانظر: ما سبق مرارًا من حديث عمرو بن عبسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت