رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنزل دينه لأمر لابد أن يتم، وأن الوعد بإعزاز الإسلام، ورفع شأنه، كان قديمًا منذ فجر الدعوة ..
ولكن حتى الرسل عليهم الصلاة والسلام، كانوا مطالبين بفعل الأسباب الدافعة للمفسدة، تحقيقًا لمعنى كبير من معاني العبادة، وتعليمًا لمن بعدهم ممن يتأسى بهم ويستنّ.
وتحقيقًا لمعنى من معاني بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يتصرف في سائر شؤونه باعتباره رسولًا بشرًا، فلا يكون ثمة أي تناقض بين إيمانه بالوعد الإلهي، وبين سعيه بالجهد البشري ومحاذرته من الإخفاق؛ لأن الوعد الإلهي إنما كان لأن الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا القدر، وعلى هذه الصفة.
وهذا يشبه حال الصحابة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بدخول الجنة .. كيف كانوا بعد هذه الشهادة؟ هل اطمأنوا بها وتركوا العمل لأنها شهادة حق وصدق، ولا ريب فيها، ولا يمكن أن تتخلف؟؟
أم ظلوا على ما هم عليه من بذل الجهد البشري المطلوب في العبادة، وتوقي أسباب دخول النار، والخوف والحب والرجاء؟.
لا شك أنهم ظلوا بشرًا يتصرفون بمقتضى الجبلة البشرية الفطرية، فيرجون ويخافون، ويفعلون الأسباب، مع ثقتهم بالوعد؛ ولهذا كان الوعد، وبهذا استحقوا رحمة الله لهم بالجنة.
وهذه كهذه سواء، ومثلها كثير ..
ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم حتى بعد الهجرة إلى المدينة، واستقرار الدعوة فيها، وكسرها للطوق الذي أحاطها به القرشيون، ووجدانِها الفئةَ التي تؤويها، وتحميها، يشعر صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى؛ معنى انحصار الدعوة في بيئة واحدة، وفي فئة واحدة، لو استؤصلت لانتهت الدعوة.