وأعطت المعركة الحزبية للفكر طابع الخصومة والجدل والهجاء المقذع وظهر هذا الجيل على الخصومة السياسية دون أن يهاجم الإنجليز أو الاستعمار بل قبل مفاهيمه في الفكر والاجتماع فكان هذا الولاء الفكري لمذاهب الغرب في الأدب والتاريخ حتى قيل أن طه حسين كان من أتباع المذهب الاجتماعي الفرنسي (دوركايم) وأن العقاد كان من أتباع المذهب النفسي (فرويد وغيره) بل قيل في الأخير أن العقاد وكان هيجلنا أي أنه تلميذ لمدرسة هيجل وهو ما وصفه به أقرب تلاميذه إليه (عبد الفتاح الديدي) .
ولقد كشفت الذكريات والمذكرات في الأخير أن هناك رابطة كانت تجمع هذا الجيل هي رابطة الانتحار فقد عرف أن طه حسين وهيكل والعقاد فكروا في الانتحار وأن بعضهم كتب عنه، كما أن بعضهم اتهم باستعمال المخدرات وأن هذا الكلام جرى طرحه في مساجلات الأدباء السياسية.
ولعل أخطر ما في هذا كله أنهم في نفس الوقت الذي كانوا يهاجمون النفوذ الأجنبي البريطاني بقوة، كانوا يؤمنون بالفكر الغربي والحضارة الغربية والمنهج الديمقراطي ولم يكن النفوذ الأجنبي يطمع في أكثر من ذلك.
وكان هذا هو منطلق مدرسة سعد زغلول التي سيطرت فكريًا وسياسيًا بعد الحرب العالمية الأولى وبعد أن انتزعت القيادة الفكرية من مصطفى كامل ومحمد فريد وعبد العزيز جاويش وأحلت مفاهيم السياسة الحزبية بديلا عن الوطنية وكلمة الاستقلال بديلا عن كلمة الجلاء.
وكان أبرز كتَّاب مصر المجددين (الذين أثاروا قضايا التغريب) في صف حزب الأحرار الدستوريين (ذوي الولاء الواضح للاستعمار) لطفي السيد وطه حسين وهيكل والمازني وعلي عبد الرازق ومحمود عزمي وفي أحضانهم ظهر أخطر كتابين في مهاجمة الإسلام:"الشعر الجاهلي"لطه حسين، و"الإسلام وأصول الحكم"لعلي عبد الرازق.