الصفحة 101 من 147

غير أن واقع التعليم في عصر ابن باديس، كان يفتقر لكثير من مقوّماته الأساسية خاصة تلك المتعلقة بالمعلمين، يقول الشيخ واصفًا ضعف مستوى المعلمين في عصره، سواء في ثقافتهم العامة، أو إلمامهم بفروع المعرفة التي يقومون بتدريسها: (إنه ليقلّ في المتصدرين للتدريس، من كبار العلماء في أكبر المعاهد، مَن يكون قد خَتم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها، مطالعة، فضلًا عن غيرهم من أهل العلم، وفضلًا عن غيرها من كتب السنة) .

الحقيقة أن المستعمر الفرنسي كان يدرك جيدًا أهمية الرسالة التي يقوم بها قطاع التعليم وخطرها عليه، فحرص جاهدًا لإفراغه من محتواه، ومحاربة القائمين علىه، إلا مَن عرف أنهم لا يحرّكون ساكنًا ولا يوقظون نائمًا، ممن لا يفقه كتابًا ولا سنة.

يصف ابن باديس أولئك بقوله: (فالعلماء -إلا قليلًا منهم- أجانب أو كالأجانب من الكتاب والسنة، من العلم بهما والتفقه فيهما، ومن فطن منهم لهذا الفساد التعليمي الذي باعد بينهم وبين العلم بالدين، وحملِهم وزرهم ووزر مَن في رعايتهم، لا يستطيع -إذا كانت له همّة ورغبة- أن يتدارك ذلك إلا في نفسه.. أما تعليمه لغيره فإنه لا يستطيع أن يخرج فيه عن المعتاد، الذي توارثه عن الآباء والأجداد، رغم ما يعلم فيه من فساد وإفساد) .

ثمّة آفة أخرى قد أصابت التعليم، ساهم في وجودها الجهل من جهة، والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية من جهة أخرى، هي استغلال هذه الوظيفة للحصول على أغراض ومطامع دنيوية، خاصة لدى القراء ومعلمي القرآن.

يقول ابن باديس مشيرًا إلى تلك الآفة: (وكثير من قراء زماننا لا يقصدون من حفظه إلا التوسل به للتلاوة على الموتى بأجرة، ونحو ذلك من الأغراض الدنيوية المحضة) .

ولا يتناول هذا الذم من يأخذ الأجرة على تعليم القرآن، إذا كانت في مقابل تعبه وشغل وقته، ولم يتخذ تعليمه صناعة من الصناعات المادية المحضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت