فهرس الكتاب
يميّز ابن باديس بين من يتخذ تعليم القرآن لأغراض دنيوية، وبين من يرجو بذلك مرضاة الله، فيقول: (على هذا المعلم -إن أراد السلامة من ذلك الذم- أن يكون هو نفسه عاملًا بكتاب الله، وأن يقصد من تعليمه الدعوة إلى العمل به) .
وكان ابن باديس في نفسه، قدوة لأولئك المعلمين، فلم يكن يأخذ أجرًا مقابل ما يقدمه لطلبته من دروس، محتسبًا أجر ذلك عند الله، ولا شك أن تأثير المعلم على تلاميذه يكون أقوى إذا عفّ وابتعد عن أخذ الأجر.
ولم يكن لابن باديس في بداية دعوته برنامج لإعداد المدرسين وتكوينهم في معاهد خاصة، فقد استعان في ذلك بالطلبة المتفوقين، أو الذين تخرّجوا من بعض الزوايا المشهورة، مثل زاوية الهامل وغيرها.
وبعد اشتداد عود الحركة الإصلاحية، أرسل ابن باديس البعثات العلمية إلى الجامعات والمعاهد العليا في البلاد الإسلامية، مثل جامع الزيتونة، والجامع الأزهر، وغيرهما، استعدادًا لما ينتظر الأمة في مستقبل أيامها. وتبدو سعة أفق ابن باديس ونفاذ بصيرته، في تركيزه على تكوين المربين، فقد يُستغنى عن الكتاب وعن أبنية المدرسة، ولكن لا يمكن الاستغناء عن المعلم.
لذلك رأى ابن باديس أن إصلاحَ المعلِّم وإعداده، إصلاحٌ للمتعلم، بل تصويب للعملية التربوية برمتها.
إن دور المعلم لا يقتصر على توصيل العلم من الكتب إلى عقول المتعلمين، وختم البرنامج الدراسي في نهاية الفصل، بل يتعداه إلى بناء شخصية المتعلم، وتنمية عقله، وتهذيب سلوكه، وإعداده لمشاركة القوى الحية في المجتمع.
والخلاصة: أن ابن باديس أكد على أهمية دور المعلم في العملية التربوية، وأن صلاحها مرتبط بصلاحه، وعليه فإن من أهم صفات المربي المسلم في نظره، أن يكون متمكنًا من العلوم والفنون التي يدرسّها، ملمًا بمبادئ فن التعليم، قادرًا على تفهم نفسيات المتعلمين، وأن ينزه العلم عن المطامع الدنيوية، عاملًا بعلمه، صادقًا في عمله.