فهرس الكتاب
إن أخطاءنا هي التي تحيط بنا، وتدمرنا، وتقضي على أهدافنا وطموحاتنا، وتُمكِّن للعامل الخارجي أن يمتد في داخلنا، ويعمل فينا عمله الذي نراه.. والادعاء بأن النقد والتصويب يشوش الصفوف ويخلخلها، ويبصر العدو بمواطن الضعف ليتسلل منها، مردود بأن الصفوف التي لا تحتمل النقد، لا ثقة بها للقيام بأي عمل، وأن العدو -كما هو ملاحظ- أعرف بنا وبأخطائنا منا، وقد يكون وراء صناعة الأخطاء وتكريسها، والإغراء بالتستر عليها، ليحاصرنا ويشل حركتنا.. وما أعتقد بأنه كان -في تاريخنا- أسوأ من هزيمة أُحُد للمسلمين، وانتفاخ عدوهم، ومحاولته إعلاء الوثنية على الإيمان، ومع ذلك عوتبوا وخُطئوا على الملأ، وما ادعى أحد بأن ذلك كان سبيل الأعداء إليهم، لأنهم كانوا يدركون أن ذلك سبيلهم إلى الأعداء في الجولات القادمة.
وفي تقديري أن شيوع الروح الحزبية المتعصبة، والانغلاق على الذات وعن الآخر، وحماية الضعف والعجز والتخاذل، وراء الأسوار الحزبية السميكة، هو الذي سمح بوصول بعض الناس من غير المؤهلين إلى مواقع القيادة، وجعل مهمة الحفاظ على استمرارهم هو الهدف، بعيدًا عن الامتحان والاختبار، وكان ذلك أهم سبب في تكريس الخطأ ومطاردة ومحاصرة أي توجه نقدي أو إصلاحي.. ونخشى أن تتحول الأمور إلى ضروب من الجاهلية، مغلفة بشعارات إسلامية.
ومن المفيد أن نذكر هنا أن خطورة الحضارة القائمة الغالبة وامتدادها، يكمن في قدرتها على اكتشاف أمراضها وأخطائها، ومعالجة نفسها بنفسها، حتى نرى أن خصومها من أمثالنا، الذين يعيشون في غرف الانتظار ويتمنون سقوطها، يبرهنون على فسادها بالعلل والأمراض التي كشفتها هي، واستنفرت للتحذير من خطورتها، والعمل على علاجها.. حتى العلل لا نستطيع إدراكها إلا من خلال دراساتهم وإحصاءاتهم!! أما نحن فلا علل ولا أخطاء لنا، على الرغم من واقعنا المتردي، وكأننا فوق مرتبة البشر!!