فهرس الكتاب
وهنا قضية قد تكون جديرة بالملاحظة والانتباه، ونحن بصدد إلقاء بعض الأضواء على دعوات ومحاولات الإصلاح والتغيير والتجديد، في الداخل الإسلامي، وهي أن دعوات الإصلاح والتجديد التي نبتت في التربة الإسلامية، وعلى الرغم مما أدركها من الخطأ والنقص والتقصير، الأمر الذي حال دون بلوغها أهدافها كاملة، إلا أنها تركت رصيدًا طيبًا في ضمير الأمة، وجددت ذاكرتها تجاه واقعها الأليم، وبصّرتها بأعدائها الذين كادوا يلبّسون عليها، ومكّنتها من الاحتفاظ بقيمها، والاستشعار بأن القيم الإسلامية في الكتاب والسنة، هي سبيل الخروج وسفينة النجاة، وإن لم تستطع أن تفلح بشكل كامل في تقديم الأوعية المطلوبة لحركة الأمة في اتجاه عودتها للإسلام، وتحويل المبادئ إلى برامج والسياسات إلى خطط وممارسات.
لقد نجحت هذه الدعوات في أن تعزل الفساد ومؤسساته عن ضمير الأمة، وتحد من استشراء الشر، وتترك بصماتها في العمق التاريخي لمسيرة الأمة، وتجديد ذاكرتها تجاه عدوها.
وعلى النقيض من ذلك، نجد أن دعوات التغيير وادعاء الإصلاح والثورة على التقاليد والواقع الاجتماعي، التي جاءت من خارج الأمة، وحاولت أن تفرض نفسها وأفكارها وتغري بها، بالمال والسلطان والإعلام، والإكراه، ومساندة الاستعمار بكل أنواعه، عاشت على هامش ضمير الأمة، وإن أوقعت بعض الضحايا لتضليلها الفكري وعمالتها الثقافية، وتحولت لتصبح شاهد إدانة تاريخي على محاولات النيل من عقيدة هذه الأمة وتفتيتها وتضليلها، باسم إصلاحها والنهوض بها، بل لعلها كانت من عوامل النجاح لدعوات الإصلاح الإسلامية بصورة أو بأخرى، بسبب استفزازها وتحديها.