فهرس الكتاب
ولعل القضية الأهم التي تمحور حولها نشاط ابن باديس التعليمي والإعلامي، واعتبرها من قسمات الشخصية الجزائرية، ومرتكزات الهوية الوطنية، وحصن الثقافة الذاتية، ومقومات إعادة بناء الأمة، وسبيل إدراكها لعقيدتها وشريعتها ودينها، هي اللغة العربية، لأنها من الدين، ولغة الدين، على الرغم من أنه كان ينحدر من أصول بربرية، وأنه كان يحسن قراءة الفرنسية وفهمها، إلا أنه كان يترفع عن الكلام بها لغير ضرورة.
واللغة عنده ليست وسيلة تعبير وأداة تفاهم فقط، كما يحلو لبعضهم أن يشيع، لتمرير وتسويغ التعليم والمحادثة بغير العربية، وبذلك تصبح اللغة إحدى معابر الغزو الفكري، وبدل أن نترجم تراثنا وعقيدتنا إلى لغة الآخرين، نترجم تراث الآخرين إلى لغتنا، ونقبل بالموقع الأدنى.
فاللغة -إضافة لما أسلفنا- هي أداة تعبير وتفاهم، ووعاء تفكير، وسبيل تغيير وبناء ثقافي، حيث لا يُنكر دور وطبيعة الألفاظ والمفردات في التأثير والتحريك والتغيير، سواء في مجال الوجدان والمشاعر، أو في مجال التفكير وتخصيب الخيال أو تجمده ومحاصرته.. فعُجمة اللسان تدعو إلى عُجمة العقل والقلب.
ولا نريد هنا الإطالة حول هذه النقطة، ولا نحب أن يُفْهَم منها أننا ضد تعلم اللغات الأجنبية والإفادة منها بالقدر المطلوب، والسن المناسب لذلك، وموقع ذلك ومرحلته العمرية من بناء المرجعية اللغوية والفكرية، وحسبنا أن نقول: لقد اتضح من أبحاث علم النفس المعرفي أن اللغة ليست وسيلة للتخاطب الخارجي فقط، بل هي النظام الأساس الذي يستخدمه الإنسان في التفكير أو الكلام النفسي.