الصفحة 28 من 147

ولا أريد ابتداءً أن أشير إلى دور هذه الفتوى، وكيف أنها كانت في حينها أمضى من أسلحة جيش كامل العتاد، وما كان لها من الأثر البالغ في حماية الذات والهوية، والاعتزاز بالثقافة العربية والإسلامية وربط الشعب بالقيم الإسلامية في الجزائر، في مرحلة المواجهة والتذويب.. كما أني لست بسبيل المقارنة بين هذه الفتوى وموقعها من النفس، ودورها في الصمود والمواجهة، وبين مئات الفتاوى التي أصبح ديدن أصحابها العبث والتلاعب بالأحكام الشرعية، وتفصيلها حسب الطلب، بل لقد وصل التهافت مع الأسف إلى درجة السؤال عن المطلوب قبل الفتوى، حتى تتم (فبركة) الفتوى من أجله، فهي تحل اليوم ما حرّمته البارحة، وتحرّم غدًا ما أحلته اليوم.. وبعض السياسيين، لا مانع عندهم من توظيف الدين لخدمتهم، في الوقت الذي يحاولون فيه فصل قيم الدين عن حكم الحياة.. ونحمد الله سبحانه وتعالى أن أصبحت الأمة على إدراك كامل لطبيعة مثل هذه الفتاوى، التي تلهث وراء السياسة، وتصنع لها المسوغات، والتي لا تتجاوز إقناع حتى أصحابها.كما نحمد الله أنه لا يوجد في الإسلام كهانات تتحدث باسم الله إلى الناس، مهما كانت مواقعها ووظائفها.

وأعتقد أنه لابد أن نتوقف قليلًا عند هذه الفتوى، التي شكلت عمقًا ثقافيًا لا يجوز تجاوزه في ضمير الأمة، وبعدًا تاريخيًا وسياسيًا لا يمكن طمسه وإغفاله، ذلك أن لهذه الفتوى ظروفها المحيطة، ومرحلتها الدقيقة، وأسبابها ومسوغاتها، وقد شكلت إحدى الأسلحة الماضية في المعركة، والفتوى كما يقال على حسب حال المستفتي، فقد جاءت بوقتها محكومة بمجموعة شرائط، وبالتالي لا يمكن النظر إليها من خارج ظروفها، أو وضعها خارج إطارها، وإغفال مقاصدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت