الصفحة 29 من 147

كما لا يمكن تعميمها على كل الحالات والظروف المختلفة اليوم، وقد انتهى حال الكثير من بلدان العالم الإسلامي إلى ما نعلم جميعًا، فهناك الكثير من الأقليات المسلمة في دول أوروبا وأمريكا وأستراليا وسائر بلاد العالم، سواء كانت مهاجرة أو اعتنقت الإسلام هناك، تحمل جنسيات البلاد التي تقيم فيها، وتؤمِّن لها هذه الجنسيات الكثير من الحقوق، وتمنحها الكثير من حرية الحركة والممارسة، وفي مقدمتها حرية العقيدة والعبادة واختيار الانتماء الثقافي، كما تمكنها من الاندماج -وليس الذوبان- في تلك المجتمعات، الأمر الذي يتيح لها نشر عقيدتها، والإغراء بها، وإثارة الاقتداء.

والحقيقة أن هذه الحالات وهذا الواقع الديمغرافي الجديد، يحتاج إلى فقه دقيق، وفهم عميق، يحيط بالقضايا من جميع جوانبها، ويحسن تقدير المصلحة الإسلامية المؤقتة والدائمة، في ضوء ظروف تلك الأقليات وظروف العالم الإسلامي، وهذا لا يعني الدعوة إلى التنازل عن الهوية، فجنسية المسلم عقيدته، وليست الأرض التي يعيش عليها، وإن كانت الأرض كلها لله. لذلك فالمسلم لا يعاني من عُقدة الاغتراب، ولا عقدة الأوراق التي يحملها، لأنها تشكل في النهاية جوازات مرور، وتحقيق مصالح، وتأمين حقوق، وأوضاع شرعية، قد تكون مفقودة في بعض بلدان العالم الإسلامي.

ونستطيع أن نقول اليوم: إن الجغرافيا السياسية بدأت تتراجع إلى حدٍ ما، أمام الجغرافيا الثقافية، والحدود السياسية بدأت تذوب أمام الضَّخِّ الإعلامي والثقافي، والأمور تقدر بقدرها.. وسيبقى فقه هذه الأقليات الإسلامية مطلبًا ملحًا، بحيث يشكل حماية للمسلمين، بقدر ما يشكل دليل تعامل مع المجتمعات التي يعيشون فيها.

أما إذا تعارض التجنس مع الدين، وكان من شروطه التنازل عن العقيدة والعبادة، والتنكر لقيم الإسلام والإنكار لها، فهذا له شأن آخر وفتوى أخرى، قد تحكمها الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، بلا بغي ولا عدوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت