فهرس الكتاب
والمطلوب أن نأخذ حذرنا، ونستشرف مستقبلنا، ونطرح السؤال الدائم: إلى أي مدى يمكن أن يؤدي منح هذه الجنسيات إلى التذويب المستقبلي للأجيال، أو يحقق ويسهل بعض الحقوق والمواقع الإيجابية لنشر الإسلام، والإغراء باعتناقه، وإثارة الاقتداء بأهله، بحيث لا تبقى الأقليات المسلمة جسمًا غريبًا ? وأعتقد أن مثل هذه القضية، لا يمكن أن تحكمها فتوى عامة، وإنما لكل حالة حكمها، ولكل واقع ظروفه.. والخشية كل الخشية أن تتحول هذه الجنسيات إلى معابر غزو إلى مجتمعات الإسلام والمسلمين لإلحاق الضرر بأهلها، واستلابهم ثقافيًا. والقضية أولًا وأخيرًا مرتبطة بالمسلم نفسه، ومدى إدراكه لرسالته ومجتمعه، وكونه في مستوى إسلامه وعصره معًا، وبذلك يصبح قادرًا وفاعلًا في كل الظروف، وليس كَلاًّ على نفسه ومجتمعه وأمته وانتمائه.. ويتأكد دور المسلم وفاعليته أكثر فأكثر في مرحلة تحول العالم من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الثقافية -كما أسلفنا- والتوجه نحو العولمة وصراع الثقافات أو حوار الثقافات، وما يمكن أن يكون من دور للأقليات المسلمة كمواقع متقدمة في الثقافات والحضارات الأخرى، تحمل لها الخير، وتلحق بها الرحمة، وتقنع أهلها أن الإسلام أصلًا ليس دينًا عرقيًا أو طائفيًا، وإنما هو دين الإنسانية جمعاء.
وبعد:
فلا شك أن دراستنا لدعوات الإصلاح والتجديد والتغيير، تمنحنا الحس النقدي، وتمكنا من تحديد أسباب القصور ومواطن التقصير، وإعادة تقويم الواقع بقيم الكتاب والسنة، كما تمنحنا القلق السوي الذي يعتبر بمثابة المحرض الحضاري، والحس بالتناقض بين الواقع القائم والمثال الغائب، كما تحقق لنا -في إطار كيفيات التعامل والنهوض- الاطلاع على التجارب السابقة التي خضعت للاختبار التاريخي، فنضيف عقولًا إلى عقلنا، وتجارب إلى تجاربنا، وتبصرنا بمدى سلامة وسائلنا وجدواها، وتحقق لنا العبرة والعظة، وتمنحنا الوقاية، حتى لا نُلدغ من جُحر مرتين.