فهرس الكتاب
وقد أدى إصرار الصليبيين الفرنسيين على إزالة الإسلام من أمامهم، إلى إصرار المسلمين الجزائريين على دينهم وعقيدتهم.. وتظهر روح الحقد الدفين على الإسلام، في الكلمات التي قالها سكرتير الجنرال بيجو Bugeaud حاكم الجزائر: (إن أيام الإسلام قد دنت، وفي خلال عشرين عامًا لن يكون للجزائر إله غير المسيح، ونحن إذا أمكننا أن نشك في أن هذه الأرض تملكها فرنسا، فلا يمكننا أن نشك بأي حال من الأحوال أنها قد ضاعت من الإسلام إلى الأبد) .
وقد انتهجت فرنسا تجاه الجزائر سياسة لو تحققت لربما كان تاريخ الجزائر قد كُتب على نحو آخر.
فقد تدهورت الحالة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والدينية للمجتمع الجزائري، فحلّت اللغة الفرنسية محل اللغة العربية، وحوصر الدين في أضيق نطاق، وما بقي منه عَبَثَ به أصحابُ الطرق الصوفية المنحرفة، الذين خدّروا الشعب بنشر الخرافات والبدع بما لهم من سلطان على الأرواح والأبدان.
ولكن حكمة الله اقتضت أن يقيّض لهذا الشعب من يجدّد له أمر دينه، ويعود به إلى المنابع الأصيلة لهذا الدين الحنيف، فظهر الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس، رائدًا للحركة الإسلامية الحديثة في الجزائر، فكان نعمةً منَّ الله بها على هذا الشعب المسلم في عسره وشدائده، وشعلة من نور أضاءت طريقه خلال حوالك الظلمات. فانطلق رحمه الله، معتمدًا على الله، مستنيرًا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم، يعلّم جيلًا كادت تغمره ظلمات الجاهلية، ويربي أمة أراد الاستعمار أن يُنصرّها، فأبت إلا أن تكون إسلامية، ويكافح أمية ألقت على الشعب أوحالًا من التبعية، ويعالج أمراضًا اجتماعية يغذيها استعمار طال ليله.
من هنا ندرك ثقل الأمانة التي تصدّى ابن باديس لحملها، والغاية التي ضحى من أجلها، فكان رحمه الله قدوة لأهل العلم، ونارًا على المستعمر وأتباعه، وخزيًا لأهل البدع والأهواء.