فهرس الكتاب
إن العلم هو نبراس المسلم في ظلمة الجهل، وسبيله لتوحيد خالقه وحسن عبادته.. وإن طلبه من أشرف أنواع العبادات وأجلّها، يقول الله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ) (محمد:19) .
ويقول تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) (آل عمران:18) .
وكما هو الشأن في جميع العبادات، فإنه ينبغي على طالب العلم أن تلازمه النية الحسنة والإخلاص لله تعالى في تعلّمه.
ويرشد ابنُ باديس المتعلِّمَ، أن ينوي بطلب العلم مرضاة الله تعالى والدار الآخرة، وإزالة الجهل عن نفسه وعن غيره، وخدمة الدين، متجاوزًا بذلك الأغراض الزائلة، فلا يرتبط هذا الجهد برُتَب أو مغانم قريبة. ويرى أن من أسباب نجاح طلبة العلم في تحصيلهم وتفقههم أن (لا يقصدوا إلا أن يتعلموا فيعلموا، ويتفقهوا فيفقهوا، ولا يرجوا من ذلك إلا رضا الله ونفع عباده) .
وقد تنحصر نوايا بعض المتعلمين في تحصيل العلم فقط، وهذه بلا شك نية فاضلة، ولكن إذا جمع الطالب بين نيّة التحصيل ونية التقرّب إلى الله عز وجل، كان ذلك أكمل وأتم.
وأما من جعل ذلك وسيلة لإقبال الناس إليه، أو استجلاب بعضًا من حُطام الدنيا، فحسبه ما نوى، إذ النية هي الأصل في جميع الأحوال لقوله صلى الله عليه و سلم: (إنما الأعمال بالنيات ) .
يقول ابن باديس في شرحه لهذا الحديث: (أفاد التركيب، حصر اعتبار الأعمال في نياتها، والمقصود بها، لا في صورها وظواهرها) .
فكم من عمل ظاهره من أعمال الآخرة، ثم يصير من أعمال الدنيا بسوء النية، ذلك أن (أعمال الناس قد تشترك في صورها ومظاهرها، حتى لا يكون في ذلك فرق بينها، ولكنها بذلك التساوي الصوري الظاهري لا تكون متساوية في الاعتبار والحقيقة، وما يتبعهما من القبول والرد في نظر الشرع) .
ومن قبل قال الشاعر:
مَن طلبَ العلمَ للمعاد فازَ بفضلٍ من الرشاد
فبالخسرانَ طالبِهِ لنيلِ فضلٍ من العباد