فهرس الكتاب
وسوف أتبع في هذا العرض أسلوب التدليل بالوقائع والأحداث على ما تميّز به الشيخ ابن باديس من سمات شخصية، وأثر ذلك على دعوته ومنهجه التربوي.
1 ـ التواضع والتقشف:
اشتهر رحمه الله بالزهد والانصراف عن متاع الدنيا. ورغم أن عائلته كانت من سراة قومه، ووالده كان من أعيان مدينته، إلا أنه في شخصه كان متقشفًا، مخشوشنًا، متواضعًا تواضع العلماء العارفين، فكان بذلك أكثر قُربًا من العامة لا من الخاصة. وصدق الشاعر حين قال:
إنَّ التواضعَ مِن خصالِ المتّقي وبه التَّقيُّ إلى المعالي يرتقي
يُروى أنه خرج من مقصورته بجامع (سيدي قموش) بقسنطينة ذات يوم، فطلب من أحد أصدقائه أن يبحث له عمن يشتري له نصف لتر من اللبن، وأعطاه آنية، فرآها ذلك الصديق فرصة لإكرام الشيخ، فذهب بنفسه إلى الشوّاء واشترى له صحنًا من اللحم المختار، وعاد إلى الشيخ وهو يكاد يطير من شدة الفرح، ولمّا قدمها إليه استشاط غضبًا، وقال له في لهجة شديدة صارمة: (ألا تعلم أنّني ابن مصطفى ابن باديس، وأن أنواعًا مختلفة من الطعام اللذيذ تُعدّ كل يوم في بيته، لو أردتُ التمتع بالطعام، ولكن ضميري لا يسمح لي بذلك، وطَلَبَتي يسيغون الخبز بالزيت، وقد يأكله بعضهم بالماء) .
هذا نموذج واحد من موقف الشيخ ابن باديس سردناه للتدليل على ما ذكرنا من التواضع والتقشف في حياته، ويمكن أن نستخلص من ذلك ما يلي:
أ ـ أن الشيخ ابن باديس كان عالمًا ربانيًا، عازفًا عن الدنيا وملذاتها، متواضعًا لله تواضع العلماء العارفين.
ب ـ أن المهمة التي انتصب إليها، وهي تربية الجيل وتعليمه، قد غلبت على نفسه، وهيمنت على قلبه فتفرغ لها تفرغًا زهّده في الملذات التي يطلبها الناس، والمتع التي يفرط في السعي وراءها الكبار والصغار.
2 ـ الحلم والتسامح: