الصفحة 91 من 147

وليس عجيبًا أن يهتم مصلح مثل ابن باديس بالوقت هذا الاهتمام الكبير، وهو الذي يقول عند تعليقه على حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ ) : (عمر الإنسان أنفسُ كَنزٍ يملكه، ولحظاته محسوبة عليه، وكل لحظة تمرّ معمورة بعمل مفيد، فقد أخذ حظّه منها وربحها، وكل لحظة تمر فارغة فقد غبن حظه منها وخسرها، فالرشيد هو مَن أحسن استعمال ذلك الكنز الثمين، فعمّر وقته بالأعمال.. والسفيه مَن أساء التصرف فيه فأخلى وقته من العمل) .

بهذه النظرة الصائبة للوقت، نجح ابن باديس في استغلاله أحسن استغلال، فكان يلقي من الدروس في اليوم الواحد ما يعجز عنه غيره. يبدأ دروسه بعد صلاة الفجر، ويظل طيلة نهاره يُعَلِّم طَلَبَته الدين وعلوم العربية، ولا يقطع دروسه إلا لصلاة الظهر ولتناول الغداء، ثم يستمر إلى ما بعد صلاة العشاء. وكان رحمه الله مع أخذه بكل ما يستطيع من الأسباب في تأدية رسالته، يلتجئ إلى الله بثقة لا توهب إلا لأولي العزم من الرجال.. ففي إحدى ساعات الشدة والعسرة قال لأحد طلبته: (يا بُنَيّ إن جميع الأبواب يمكن أن تُغلق أمامنا، ولكن بابًا واحدًا لن يُغلق أبدًا، هو باب السماء) .

هذه العقيدة الراسخة القوية، كانت دافعًا له على الثبات والمثابرة، وبهذه العزيمة القوية جاب ابن باديس أرجاء القطر الجزائري على اتساعها، وأنشأ فيها المدارس والنوادي، لتعليم أبناء الأمة لغتهم ودينهم، مدركًا بأن العلم أمانة عند العلماء، وهم مكلفون بأدائها لمستحقيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت