فهرس الكتاب
وظلت تلك الطريقة متبعة عند أهل المغرب إلى أن سقطت آخر معاقل المسلمين في الأندلس، وهاجر الكثير منهم إلى شمال أفريقيا، فتأثر المغاربة بطريقة أهل الأندلس التي يصفها ابن خلدون بقوله: (وأما أهل الأندلس فمذهبم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو، وهذا هو الذي يراعونه في التعليم، إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك وأسّه ومنبع الدين والعلوم، جعلوه أصلًا في التعليم، فلا يقتصرون لذلك عليه فقط، بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسّل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها، وتجويد الخط والكتاب.
هذه هي طرق أهل المغرب وأهل الأندلس، فماذا كانت طريقة ابن باديس في ذلك؟
أما ابن باديس فلم يحدّد سنًا معلومة لالتحاق الطلبة بالمدارس، فكان من بين متعلميه من تناهز أعمارهم الثلاثين سنة.
وقد تأثر إلى حد كبير بالطريقة الأندلسية في التدريس وإصلاح التعليم، يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، واصفًا الطريقة التي ارتضاها وابن باديس لتربية النشء: (وكانت الطريقة التي اتفقنا عليها أنا وابن باديس في اجتماعنا في المدينة، في تربية النشء، هي ألا نتوسّع له في العلم، وإنما نربّيه على فكرة صحيحة، ولو مع علم قليل، فتمت لنا هذه التجربة في الجيش الذي أعددناه من تلامذتنا) .
ومن قبل قال ابن خلدون: (اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين يكون مفيدًا لو تمّ ذلك بالتدريج شيئًا فشيئًا، قليلًا قليلًا، فيلقى على المتعلم مسائل من كل باب من الفن، هي أصول ذلك الباب) .
وكان ابن باديس رحمه الله يحرص على الكيف أكثر من حرصه على الكم، يرى التركيز على الفهم وإعمال الذهن وتشغيل قوى المخيلة، أكثر من شحن الذاكرة.