الصفحة 98 من 147

والذي جعل البرامج في هذا الجامع قاصرة عن أداء رسالتها، هو عدم اتزانها، فكثر جمودها وقلّت فائدتها.

ومن المعروف عند أهل العلم، أن العلوم منها ما هي مقصودة بالذات كالتفسير والحديث والفقه، وأخرى آلية -وسيلة لتلك العلوم- كالعربية والحساب والمنطق. (فأما العلوم التي هي مقاصد، فلا حرج في توسعة الكلام فيها، وتفريع المسائل، فإن ذلك يزيد طالبها تمكنًا في ملكته، وإيضاحًا لمعانيها المقصودة.. أما العلوم التي هي آلة لغيرها... فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط) .

غير أن الواقع في جامع الزيتونة، هو التوسع في العلوم الآلية، والإفراط في ذلك إلى درجة الابتعاد عن الغرض منها، وإعاقة تحصيل العلوم المقصودة لذاتها، فيخرج الطالب ولم يحصل من ذلك على شيء.. ويصف لنا ابن باديس استفحال ذلك الانحراف، فيقول: (وفي جامع الزيتونة عمّره الله تعالى، إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس التفسير -ويا للمصيبة- يقع في خصومات لفظية... في القواعد التي كان يحسب أنه فرغ منها من قبل، فيقضي في خصومة من الخصومات أيامًا وشهورًا، فتنتهي السنة، وهو لايزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلا قليلًا، دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير، وإنما قضى سنته في المماحكات، بدعوى أنها تطبيقات للقواعد على الآيات، كأن التفسير إنما يقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية، لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية، فهذا هجر آخر للقرآن مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن) .

هذه الأمور وغيرها مما يحدث في جامع الزيتونة، جعل ابن باديس يتقدم باقتراح شامل لإصلاح البرامج فيه، نلخصها في ما يلي:

* تقسيم المراحل الدراسية إلى مرحلتين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت