الصفحة 10 من 18

الإنسان من قول وفعل وترك قول وترك فعل، فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه والإغلاظ له. ويعزره بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا كما أن التوبيخ من هذه العقوبات ويسميه الفقهاء [1] بالقهر والإستخفاف بالكلام على أن لا يكون فيه سب ولا قذف، وهو ثابت في السنة [2] ، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: ساببت رجلا فعيرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أبا ذر أعيرته بأمه أنك أمرؤ فيك جاهلية".

وخاصم عبد الرحمن بن عوف عبدًا من عامة الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب عبد الرحمن وسب العبد قائلا:"يا أبن السوداء"فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد الغضب ورفع يده قائلا:"ليس لأبن بيضاء على أبن سوداء سلطان إلا بالحق"فاستحى عبد الرحمن وخجل ووضع خده على التراب ثم قال للعبد طاء عليه حتى ترضى.

هذا ويعتبر التهديد والتشهير من أبرز هذه العقوبات التي يلجأ إليها القاضي حين يلمس ندم المجرم بين يديه وإعلان التوبة حيث أفلح معه النصح والإرشاد فيهدده إن فعل ذلك مرة أخرى وأن عليه كذا وكذا من الحبس أو الطرد أو الضرب، كما يلجا القاضي أحيانا إلى تأجيل العقوبة الصادرة بحق بعض المجرمين ليعلنوا توبتهم ويعودوا إلى الأمانة وحسن السيرة وكثيرا ما تفلح هذه مع الذين ينقصون الكيل والميزان والعديد من الذين يعمدون في أعمالهم على ثقة الناس بهم فيكشف اخبارهم وصورهم في وسائل الإعلام.

3 -العقوبات السالبة للحرية (الحبس) :

الحبس عقوبة رادعة تخيف المجرم بإعتباره سالبا لحريته ومقيدا لها ويهدف إلى التحفظ على الجاني أو المتهم بالجريمة لحين عرضه على القضاء فإن ثبتت جريمته يحبس تعزيرا بقدر المدة التي يحددها القاضي وبعكس ذلك يخلي سبيله [3] .

والسجن ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فقصة سيدنا يوسف عليه السلام معروفة للجميع، وكان السجن في عهده صلى الله عليه وسلم في البيت او المسجد ثم أشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنه دارا للسجن من صفوان بن أمية ثم أنشئت السجون وتطورت بإتساع الدولة الإسلامية، وتعد هذه الأيام دورا للرعاية والإصلاح والتوجيه، ولا يلجأ القاضي اليه ما لم يعلم أنه يؤدي غالبا إلى إصلاح الجاني وتأديبه والحفاظ على حياته قبل أن ينظر الحاكم في قضيته. فالحبس في هذه الحالات يعتبر عقوبة تعزيرية للمجرم. كما يمكن أن يكون حبسا احتياطيا ويسميه الفقهاء حبس مجهول الحال [4] وهو إجراء تحفظي يتخذ قبل ان تثبت إدانة المتهم ويلجأ إليه القاضي احتياطا اثناء التحقيق لمنع المتهم من الهروب أو التأثير على مجرى التحقيق وهكذا تتم معاملة المتهم معاملة تختلف عن المحكوم عليه وإذا ثبتت الجريمة على المتهم فإنه يحبس مدة محددة تتناسب مع جريمته.

(1) الكاساني، علاء الدين أبو بكر، بدائع الصنائع 7/ 164 دار الفكر 1974.

(2) الماوردي: علي بن محدم، الأحكام السلطانية 288 المطبعة المحمودية القاهرة.

عودة: المرجع السابق 1/ 703.

(3) أبو حسان: محمد: أحكام الجريمة والعقوبة في الشريعة الإسلامية 599 مكتبة المنار 1978.

(4) حاشية ابن عابدين 3/ 260.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت