الحد. فإن تمت الجريمة وجب الحد فيها. كما أن الضرب ثابت بالسنة وإجماع الأمة فقد مر معنا قول النبي صلى الله عليه وسلم [1] "لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله".
فثبت في هذا الحديث الجلد تعزيرا في غير الحدود على أن لا يتجاوز الضرب عشر جلدات إلا في الحدود المنصوص عليها.
وأما بالنسبة لأقل [2] الجلد في الجرائم التعزيرية فهو ثلاث جلدات ويختلف بإختلاف الأشخاص فلا معنى لتعزيره مع حصول المقصود بدونه فيكون مفوضا إلى رأي القاضي يقدر ما يرى المصلحة فيه ويستحب أن يشهد هذا التعزير طائفة من المسلمين أقلها أربعة وهو العدد المعتبر في جريمة الزنا، لما في ذلك من فوائد جمة تعود على المجتمع بالنفع والفائدة.
وأما بالنسبة لكيفية الضرب فقد فصلها الفقهاء في مواقع عدة نذكر منها ما جاء في حد الزنا حتى لا يظن ظان أنها قائمة على الظلم والإنتقام والنيل من المجرم، لأنه بأمر من الإمام وحضرته، فالثابت فيه أن [3] (يأمر الإمام بضربه بسوط لا ثمرة فيه ضربا متوسطا لانه ورد عن علي رضي الله عنه عندما أراد أن يقيم الحد كسر ثمرته، والمتوسط بين المبرح وغير المؤلم لإفضاء الأولى الى الهلاك وخلو الثانية من المقصود وهو الإنزجار، وتنزع ثيابه عنه دون الإزار لأن عليًا كان يأمر بالتجريد في الحدود ولأن التجريد أبلغ في ايصال الألم إليه، وهذا الحد مبناه على الشدة في الضرب، وفي نزع الإزار كشف العورة فيتوقاه، ويفرق الضرب على أعضائه، لأن الجميع في عضو واحد يفضي إلى التلف، والحد زاجرا لا متلف، إلا راس وفرج لأن الفرج مقتل، والرأس مجمع الحواس، وكذا الوجه وهو مجمع المحاسن، فلا يؤمن فوات شيء منها بالضرب، وذلك أهلاك معنى فلا يشرع حدا.
ويضرب في الحدود - وكذا في التعزير - قائما غير ممدود لقول علي رضي الله عنه: يضرب الرجال في الحد قياما والنساء قعودا لأن مبنى إقامة الحد على التشهير والقيام أبلغ فيه، فإن امتنع الرجل ولم يقف ويصبر فلا بأس بربطه على اسطوانه او يمسك على سارية ونحوها، ولا ينزع عن المراة ثيابها إلا الفرو والحشو لأن في تجريدها كشف للعورة والفرو والحشو يمننعان وصول الألم الى المضروب والستر حاصل بدونهما فينزعان وتضرب جالسة لأنه أستر لها).
هذا وقد أجمعت الأمة على مشروعية الضرب (الجلد) في الحدود والعقوبات التعزيرية منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم الى عصرنا هذا على أن لا يتجاوز الضرب عشر جلدات ومن تجاوزها كان من المعتدين إلا في الحدود المنصوص عليها.
2.العقوبات القائمة على الترغيب الترهيب:
ومنها الوعظ والهجر على ما بيناه سابقا كما ثبت عن بعض الصحابة أنهم عاقبوا بالهجر والتغريب ولعل في ذلك ما لا يخفي من الناحية النفسية للمجرم عندما يهجره الناس فيندم ويعود عن معصيته، وما أجمل قول شيخ الإسلام إبن تيمية [4] حيث يقول في هذا المقام:"ليس لأقل التعزير حد بل هو بكل ما فيه إيلام"
(1) سنن أبو داود: 4/ 167.
(2) الزيلعي: تبين الحقائق 3/ 27.
(3) المرغيناني / برهان الدين الهداية 2/ 87.
(4) إبن تيمية: السياسة الشرعية 120.