كما ويمكننا أن نقيس غيرها عليها لأنها غير محصورة ومتقاربة في ذاتها، فإذا كان الشارع الحكيم قد قدر بعض العقوبات لبعض الجرائم، فقد كشف لنا المنهاج الذي يتبع بشكل عام في الجرائم والعقاب المترتب عليها حتى تكون العقوبة مانعة للإجرام، وداعية إلى الأنزجار، وباعثة على الإعتبار، وعلى ضوء الكتاب والسنة يستبط ولي الأمر علاجا للجرائم المتجددة في كل زمان ومكان وهنا نتمثل قول الإمام مالك رضي الله عنه في هذا المقام حيث قال:"يجد الناس من الأقضية بمقدار ما يجد لهم من الأحداث".
إن هذا الباب الذي يضم مختلف هذه الجرائم باب خصب يمد أولياء الأمور بالمرونة الكافية واللازمة لمواجهة مختلف صور الإنحراف التي تصاحب تغيير المجتمعات، فالجرائم التعزيرية تشمل جميع الأفعال التي يرى ولي الأمر تحريمها وفرض عقوبات مناسبة لها، فيجوز لولي الأمر أن يمد القاضي بقائمة من العقوبات المتنوعة ليختار من بينها ما يلائم تلك الأفعال المجرمة مع الأخذ بعين الإعتبار مدى جسامة الجريمة من جهة وخطورة الجاني من جهة أخرى.
1.العقوبات البدنية:
الضرب [1] : وهو الضرب في غير الحد، وأما الضرب في الحد فيسمى جلدا، وهو من أهم العقوبات المشروعة في جرائم التعزير إن لم يكن أهمها لما فيه من ردع سريع ومباشر للمجرمين الذين اعتادوا الإجرام في المجتمع فينفذ على وجه السرعة دون أن يزج بالمجرم في غياهب السجن مع الذين اتخذوا الإجرام حرفة لهم فيعود إلى أسرته ومجتمعه عنصرا صالحا بمشيئة الله تعالى.
والضرب عقوبة مشروعة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الامة في الحدود والجرائم التعزيرية ودليل ذلك:
-قوله تعالى في سورة النساء [2] :"واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن".
-وقوله سبحانه:"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" [3] .
-وقول الله عز وجل:"والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة" [4] .
أباحت الآية الأولى [5] للزوج أن يضرب زوجته تأديبا وتعزيرا لها على نشوزها وعدم طاعتها والتعالي عليه، كما اوجبت الآيتان آنفتا الذكر الجلد عقوبة أصلية في جريمتي الزنا وقذف المحصنات المؤمنات، ومن المعروف أن التعزير على مقدمات الزنا كالخلوة والتقبيل يكون بالجلد دون أن يصل إلى كمال
(1) الزيلعي، فخر الدين بن عثمان، تبيين الحقائق 3/ 27 دار المعرفة، بيروت.
(2) سورة النساء /34.
(3) سورة النور/2.
(4) سورة النور/4.
(5) أبن كثير - تفسير أبن كثير 3/ 261.