الصفحة 7 من 18

ويعد أيضا من العقوبات ذات الحدين الأعلى والأدنى بالنظر إليه من حيث سلطة القاضي، فيترك له ان يختار من بينهما القدر الذي يراه ملائما للجريمة ومرتكبها، وهذا يعني أن التعزير من العقوبات غير المقدرة فيختار القاضي العقوبة التي يراها كفيلة بتأديب الجاني وإصلاحه فيحمي المجتمع من إجرامه ونفسح المجال أمامه ليميز بين البواعث الشريفة والخبيثة فيأخذ المتهم بالرأفة أو بالشدة حسبما يراه تبعا للظروف والملابسات التي دفعته إلى ارتكاب الجريمة، ومن هنا تتحقق فكرة الظروف القضائية المخففة أو المشددة التي ينادى بها رجال القانون.

المبحث الثاني

أولا: أنواع العقوبات التعزيرية.

قلنا في أكثر من موضع في هذا البحث أن العقوبات التعزيرية متعددة ومتطورة وتمتاز بالمرونة فنجدها تناسب كل طائفة في المجتمع وكفيلة بردع الجاني حيث تخول للقاضي أن يعزر مرتكب الجريمة بما يراهخ زاجرا له من العودة إليها وهذا لا يمنع جواز الأخذ بعقوبة اخرى لنفس الجريمة ما دامت تحقق منها بين الناس لأن نظام العقوبات لا يختص بقول معين أو فعل معين، ويتسع لكل عقوبة تؤدي إلى إصلاح المجرم وتأديبه ويعتبرها عقوبة شرعية.

ومن هنا يستطيع الحاكم ان يقنن في إطار عام هذه العقوبات ويضعها في مراتب ويقسمها ويضع أمام كل قسم عقوبة رادعة له من ذوات الحدين ويعطي القاضي صلاحية تقدير حال كل مجرم وما يستحق من عقاب في دائرة العقوبة المقررة بحدها الأعلى والأدنى ويجتهد ضمن هذه الدائرة، ومن هنا أحببت أن اشير في هذه الدراسة إلى بعض الجرائم التعزيرية على سبيل المثال التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى فقال [1] :"المعاصي التي ليس فيها حد مقرر ولا كفارة، كالذي يقبل الصبيان (أي بشهوة) ويقبل المرأة الأجنبية ويباشر بلاجماع، أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة ولحم الخنزير، أو يقذف في الناس بغير الزنا، أو يسرق من غير حرز، أو يسرق شيئا يسيرا أو يخون أمانته، كولاة أموال بين المال، او الوقف، ومال اليتيم ونحو ذلك إذا خانوا، وكالوكلاء والشركاء إذا خانوا او يغش في معاملته كالذين يغشون في الأطعمة والثياب ونحو ذلك أو يطفف المكيال والميزان، أو يشهد الزور او يلقن شهادة الزور، أو يرتشي في حكمة او يحكم بغير ما أنزل الله، أو يعتدي على رعيته أو يتعزى بعزاء الجاهلية، إلى غير ذلك من أنواع المحرمات، فهؤلاء. يعاقبون تعزيرا وتنكيلا وتأديبا بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته، فإذا كان كثيرا زاد في العقوبة بخلاف ما إذا كان قليلا، وعلى حسب حال المذنب فإذا كان من المدمنين على الفجور زيد في عقوبته بخلاف المقل من ذلك، وعلى حسب كثرة الذنب وصغره، فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم بما لا يعاقب به من لم يتعرض إلا لأمرأة واحدة".

لو أمعنا النظر في هذا النص لوجدناه يصور لنا الجرائم التعزيرية تصويرا جيدا، فبعضها معاصي في ذاتها وبعضها معاصي لأنها تؤدي إلى معاصي أكبر منها، وجميعها منهي عنها في الدين والأخلاق.

(1) إبن تيمية، أحمد، السياسية الشرعية 120 دار الكتاب العربي 1951.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت