فهرس الكتاب
الاكتشاف الشعوري الأول الذي يصدم الفلسطيني في المنفى الإحساس بالغربة عن المدينة التي التجأ إليها (بغداد) لأنه متعلق بمدينته التي يحمل ذكراها وذكرى آلامها: (( هل أبهج من مشاهد المباني المجهولة والوجوه الغريبة أما أنا فقليلة هي البهجة التي شعرت بها وأقل منها الإثارة التي انتابتني في ذلك اليوم، الأول من تشرين الأول عام 1948، حين وصلت بغداد، لم يكن السبب أنني رأيت لندن، وباريس والقاهرة ودمشق لقد نسيت أسفاري كلها، ما عدت أستطيع أن أذكر ملامح أي مدينة في العالم سوى مدينة واحدة... أذكرها طيلة الوقت تركت جزءًا من حياتي مدفونًا تحت أنقاضها وسقوفها المهدمة وقد أتيت إلى بغداد وعيناي مازالتا تتشبثان بها القدس ) )ص15.
يأتي هذا الاكتشاف بعد توهم الانعتاق من عذابات القهر والإحباط في الوطن: (( هذا مكان للفرح تلك الأشهر من القهر والحبوط في الوطن ) )ص31.
وذلك ترف محض، هناك في وطني مليون من الناس يملأون مخيمات اللاجئين ويساورهم القلق على رغيف الخبز يأكلونه وقطرة الماء يشربونها )) ص99.
هذا التعارض بين المستقر- نسبيًا- وبين الوطن (الذي يعاني حالة القهر والعودة إلى مرحلة الإنسان والاستقرار، وهو مشروخ أصلًا بفعل الكارثة الكبرى المأساة الإنسانية العظمى مأساة الوطن الذي سطت عليه الكائنات الهمجية وحولت أبناءه إلى مجموعات بشرية مشتتة تائهة تعبث بها حاجاتها الأولية وتتحكم بها دوائر تدعي الإنسانية:(( تم عدّنا وتصنيفنا من قبل الأمم المتحدة، وقد بدؤوا بإعطائنا مؤنًا يوزع علينا بمقتضاها بعض الدقيق ومسحوق الحليب... أما الدقيق فخبزه أسود ولا لأولئك التعساء الذين لم يعطوا بطاقات مؤن، لأنهم غير مؤهلين تكنيكيًا لأن يكونوا لاجئين.. فالتعاسة تصنف... مخيمات اللاجئين تتسع كل يوم فوق التلال. واليهود يتخطون خطوط الحدود باستمرار... ) )ص140.