فهرس الكتاب
-القيمة الأولى التي يحللها الخطاب: الانحياز نحو أحد مكوني الإنسان "الروح والجسد" تحت عنوان التقدم والتطور، ولأن الرؤية التقليدية (أي السائد في العالم) هو تغليب الرّوح بتأثير من طبيعة (النفس) الحضاري وبتأثير من التراث الغيبي (الديني سواء أكان المسيحي أو الإسلامي) والغيبي (الذي تراكمه الذاكرة الحضارية الشعبية) ؛ فإن التحول عن هذا السائد لابد أن يكون إلى النقيض الأيديولوجي أي إلى تغليب الجسد على الروح والاستعداء على الرؤية السابقة، وهنا ننتبه إلى موازاة في الدلالة بين الخطاب، والواقع في فترة الانقلابات الجذرية في التوجه إلى القيم وطرحِ النقائض دائمًا بدائلَ أيديولوجيةً، الفترة التي كان فيها مجتمع المثقف العربي يتفتح على ذاته أولًا، ثم على العالم ثانيًا، ولكنّ هذا التحوّل، بل التساؤل التجريبي حول القيم مشروط بمجتمع المثقف، فالفترة التي كتبت فيها الرواية لم تكن تسمح بتحوّل إيديولوجي شامل على مستوى الكليّة الاجتماعية: (( لقد اكتفينا من القرون المظلمة التي كان يعد الجسد فيها عدوًا للإنسان: لقد حان لنا أن نجعل الروح عدوّنا إذا كان التقدم الآلي هو الذي يؤكد على الجسد؛ فأنا من دعاة التقدّم الآلي، إني أضيق ذرعًا بكلّ ما هو متأخّر حيثما يفتقد المرء التقدم الآلي، يجد الفقر والقذارة، ومكافحة المَرْءِ فقره تشغله عن جسده، إلا ما كان غريزيًا حيوانيًا فيه، فيكسو كفاحه بثوب من الرّوحانية، ويعظّم فقره بعباراتٍ دينيةٍ، ويموت أخيرًا ميتة الحيوان من الجهد والإرهاق، دون أن يعرف دقائق الحسِّ واللذة ) ) [1] .
(1) صراخ 37