فهرس الكتاب
إذًا؛ فالتقدم ضرورة مادية، بل حدث ماديّ في حياة البشرية لذلك لابدّ من الانصياع الطوعيّ لقانون التطور وإعطاء الجسد قيمة القانوية المتسقة مع طبيعة التطور، لأنه التّجلّي المادي (للإنسان) وفي الطرف النقيض القانون التقليدي الموروث الذي يجعل الإنسان تجليًا روحيًا تجريديًا وحسبه، وفي مثل هذا التعارض الفكري تنشأ مناظرة في القيم، مناظرة اختبارية يبدو أنها لم تنتهِ على مستوى الواقع المرجعي، إذ يُسْتَشف ذلك من الحوار الذي يقترب من الاستعراضية الذهنية للأفكار، ومن خلال تعدّد المصادر المتناقضة، فهي ليست حدّين يمكن الاستنتاج الواضح من تعارضهما وإنما هي مجموعة حدود أقلّها ثلاثة والثالث في مثل هذه القضية محاولة للمصالحة، بل للبحث عن معادل ثالث للمفاهيم وربما يكون هذا المعادل هو التمخّض الذي انجلت عنه عملية الصراع بين القيم، وإن كان مازال في بداية تبلوره، ولم يحقق بعد وعيه النهائي ولم يتوصل إلى اطمئنانه الواقعي؛ لأنه يفتقر إلى وعي نستطيع أن ندعوه (وعيًا حديًّا مطلقًا) وفحوى المُعادِل الذي يتمخّض في واقع الخطاب، رؤية العالم رؤية موضوعية شمولية، والبحث فيه بعلمية بعيدًا من الرؤية التقليدية الجانبية: (( إنك تخلط بين الثّقافة وبين التقدم، بين إرهاف الحسّ وبين المال، فإذا كان التقّدم بالآلة واختراعاته يتيح لنا متسعًا من الوقت للعناية بالجسد؛ فإن ما أخشاه هو ألا تكون إلا عناية سلبية، يطلب فيها المرء اللذة من الخارج وهو مستسلم لها، دون إعمال مواهبه إلى أن يصاب بذلك المرض الرهيب: الضَّجَر، والضَّجَر بدوره يعطل الجسد فيقع المرء في دائرة خبيثة.. ويقول: سئمت الشرب، وسئمت الكتب، سئمت النساء، سئمت السّينما.. غير أنّ اليد هي التي تخلق وسواء أكان خلقها خندقًا، أم شجرةَ تفاحٍ، أم تمثالًا فإنه خلق عضليّ.. وهو منقذ الإنسان الوحيد ) )ص38و39.