فهرس الكتاب
ويرتبط مفهوم التقدم بالمدينة وتبقى مقولة الجسد والروح هي المقولة التي تفحص هذا المفهوم وتُتخذ مثالًا تحليليًا له، وتتوصل عملية الفحص هذه إلى جزء من مقولات سابقة عرضها الخطاب في سلبية نظام التقدم المدني الذي يفقد الإنسان بعديه: المادي والروحي، ويثبت الخطاب بل يبرهن على مقولته بإعطاء أمثلة عن مقاربة الواقع: (( أيُّ هذرٍ هذا الذي يتفوه به أهلُ المدن يتحدثون عن ملذاتِ الجسد وهم لا يعرفون منها عُشْرَها؟ لقد فقدوا ما كان لديهم من عزيمة روحيّة ففقدوا بالتالي حيويتهم البدينة، وليس ما تبقى لديهم إلا حثالة من الطاقة إذا قيسوا بأبناء القرى وبعض الفقراء. فبالإضافة إلى ما عند هؤلاء من النشاط العضلي يكادون إذا ما فكروا في الله أن يبلغوا حدَّ التصوّف ) )ص 39،40.
يُعيد الخطاب، ضمن حوار التضاد والتناقض، المقولة إلى أسباب ندعوها بتحفظٍ (طبقية) كما فعل في البداية عندما عرض التقدم مجاورًا للطبقة التي تمتلك الآلة و (التأخر) (في مصطلحه) جعله مجاورًا للبطقة التي تمتلك القدرة على اختلاق المعوّضات عن التقدم الآلي بالروحانية وتعظيم فقرها بعبارات دينية، ولكن العودة الآن هي محاولة للبحث عن إنصاف طبقي ودحض للمقولة السابقة من خلال منطقها ذاته، فإذا كان التقدم يصرُّ على الجسد، والمدينة بتكوينها قد تبنت التقدم الآلي؛ فما منجزاتها التي منحتها للجسد؟ لاشيء! لقد أفقدت الإنسان ما كان لديه من عزيمة روحية فأفقدته حيويته البدنية.