فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 470

نستشف من هذه المسألة أن رؤية الماضي التي ينفيها الخطاب أو يستنكرها هي الرؤية التي تعتمد الانهزام قانونًا وتعد الاستلاب للماضي نظامها الرئيسيّ، فالماضي الأول لابد من أن ينهار؛ لأنه لا يتوافق مع سيرورة العالم سيرورة التاريخ، والماضي الثاني (الذي يشكل راهنًا بالنسبة إلى الماضي الأول) لابدّ كذلك من أن يتحطم؛ لأنه قائم على تعارض في القيم، وهو نتيجة قسريّة لمحاولة دمج هذه القيم المتعارضة، وينغلق الخطاب على طروحاته السابقة تاركًا خاتمته دلالة مهمة على مراميه وامتداداته وطموحاته التي كان يؤسس لها ويرمي إليها من وراء انفتاحه: (( كانت شوارع المدينة تمتد وتتشعب أمامي تملؤها جموع الناس، ولم يكن من العسير عليّ، حين حدقت في عيونهم أن أدرك أن الكثير منهم كانوا هائمين على وجوههم كما كنت هائمًا لسنتين مديدتين يبحثون عن نهاية لليل طويل بل وبداية لحياة جديدة ) )ص104

رؤية الآخر في صراخ في ليل طويل:

إن مقولة التقدم والتأخر التي طرحها خطاب (صراخ) مقولة نسبية بمعنى أنها لم تكن لتوجد لولا نسبتها إلى مفهومات خارجة عنها بل بدقة أكثر، لولا نسبة المجتمع الذي أنتجها إلى حضارة أخرى؛ لذلك كان مقولة حتمية الظهور في مرحلةٍ مثل مرحلة (صراخ) ، إذ بدأ الانتباه إلى المفارقة الحضارية الهائلة بين ما سُمّي بالعالم المتقدم وما تعانيه (الذات) من تأخر، وحدثت صدمة عظيمة للوجدان العربي بعد اصطدامه بالقوة الجبارة للغرب، وهو لم ينس بعد، على الرغم من قرون الظلام التي عاشها قبل هذه الحقبة، أنه يشكل أفقًا حضاريًا قائدًا ودافعًا بمسيرة التاريخ إلى مطامحها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت