فهرس الكتاب
قد يتبادر إلى الذهن أن البحث في مثل هذه القضايا يفقد الخطاب الروائي أدبيته ويدنيه من الدراسة البحثية لكن جبرا يستطيع استيعاءها ويدغمها في البحث الروائي وهي قضايا خطيرة (( في سلم الارتقاء الحضاري العربي ) )يكتسب بها الكاتب تميزه الروائي وتشكل لديه دلائل روائية متقدمة، ويضطلع الفن الروائي بوظيفية أدبية لا تتيسر إلا للأدب العظيم، إن وعي هذه النقطة بل هذا المفصل التاريخي بعناصره الحضارية وإدراجه في خطاب أدبي يستطيع تَحَمُّلَهُ دلالةٌ خطابية ومناقشته وفق تصور حضاري متطور يمنح الخطاب ويمنح الكاتب موقعًا متقدمًا في معالجة الأزمة الحضارية العربية.
يدقق الخطاب في العناصر الحضارية التي ألغيت بسبب الغزو المغولي لعاصمة الدولة العربية، فقد انهارت المظاهر الحضارية وانحسر العمران وتقلصت المساحة الخضراء لتحل محلها الصحراء، ودمرت أهم مصانع الحضارة (المكتبات) وأحرقت وأبيد كثير من البشر.. إلى درجة ظهرت كأنها لم تكن يومًا حضارة عظيمة سادت العالم. ولكن هذا الأمر لم يستمر بمأساويته تلك وبدت بوادر الانتعاش مرة أخرى في الظهور خاصة مع مجيء الحقبة النفطية. ويحاول كذلك إظهار النتائج المستقبلية التي أحدثتها الهزائم والغزوات الخارجية: (( كافحنا خلال سبعمئة سنة أرضًا غير معطاء، نعم عندنا نهرانه عظيمان، ولكن شبكات الري حطمتها الموجات المتعاقبة من الغزاة حتى أنهكت أرضنا وتعلم شعبنا أن يقبل عبودية لا نهاية لها، جاءنا حكام من الخارج مع حشودهم واكتسحوا البلد وجلبوا معهم خيرًا قليلًا وحيوية أقل. وفي النهاية أوشكت حتى آثار المفاخر التاريخية أن تمحى، وتقلصت مدينة العباسيين العظيمة حتى أضحت مكانًا قميئًا تخنقه من كل أنحائه الأجمات التي لا تؤوي سوى الأفاعي واللصوص ) ) [1] .
(1) صيادون ص70-71