فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 470

إن هذه الدعوة تطرح مفاهيم نسبية كالشرف والشجاعة وتقصرها على الصحراء وهذا يعني أن يفهمها وفق المفهوم الصحراوي وكذلك تطرح مفهوم اقتتال القبائل كحل صحي. إن فحص هذه الفرضيات وفق منطق الحلول يجعلنا نستنتج أن الدعوة تريد أن تتجاوز وتلغي التراكم الحضاري الهائل التي اكتسبته الحضارة العربية في تاريخها الذي يمتد قرونًا حضارية طويلة وتريد إعادة قانون القبائل المتناحرة ليواجه عالمًا في القرن العشرين، وهي تسير وفق قانون ما قبل الحضارة خاصة ما قبل الصعود الأيديولوجي العربي وبناء الدولة العربية، وهذه السلفية التي يعرضها الخطاب سلفية نادرة وخارجة عن النظام السلفي التقليدي الذي ينزع منازع عقيدية أخرى كالعقيدة الدينية ويصرح بذلك الخطاب نفسه:

(( من شأن عقيدتك هذه أن تدمر كل ما قام به الإنسان من عمل خلاق لأنها مبنية على أحد تلك المبادئ الدينية التي لا تتفق حتى مع الإسلام ) )ص190.

? هذه النظرية (الحلّ) تتخذ موقفًا عدائيًا جذريًا من المدينة ومن عناصرها ومكوّناتها ومن كلّ ما تنتجه من فنّ وعلم وحضارة.

(( إن القصص والرسم والموسيقى إلى آخر ما هنالك من خزعبلات حياتكم الخانعة ليست إلا من اختلاق المدينة... لا حاجة بكم إلى تشجيعها لأن المدينة ستفعل ذلك مهما حصل أنت تعلم أن المدينة تعني التردّي.. إنها تعني المرض، والفن نتيجة هذا الفساد؛ إنه الغاز السام الذي ينفثه هذا المستنقع الفسيح الذي يدعى المدينة... كل فنان بالطبع كل كاتب قصة كل روائي إنما يطعن بخنجره المسموم جسم الحياة السليم ) )ص96.

إن فحوى هذا الموقف من المدينة هو تجريد العالم من كلّ مقوماته وردّ الحياة إلى طفولة البشرية بل تجريدها من أي طموح لها في المستقبل؛ لأنها بعيدًا عن المنجزات الإنسانية (الفن، الأدب) تبقى في مرحلتها الجنينية ولا تسعى نحو الأمام، وذلك حكم مؤكد بالفناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت