فهرس الكتاب
هذا المشهد الخرائبي لمدينة المستقبل العربي ليس إلا صورة عكسًا للواقع النّفسي للروح الحضاري المضنى للإنسان العربي الذي يطمح إلى أن يخلق التوازن الإنساني والحضاري في مجتمعه وفي روحه، ولا يبتعد هذا التصور وهذا الانفعال بالعالم من خصوصية الرؤية الشاعرية التي ترتدّ مدّمرةً العالم عند حدوث أيّ خلل في عالم الواقع، والخلل في عالم الواقع العربي على كافة المستويات لا يمكن رصده، فلنتصور ردّة الشاعر على هذا العالم: (( لا يا توفيق لا أريد تحفك الجمالية، ولا أريد من عبد القادر، وهو يُقَوِّد للفقراء والأميين، إع.. أريد.. أريد السماء مطبقة على الأرض والناس ممسكين بأحشائهم يئنون، وصفوف الشرطة يصوبون بنادقهم على رؤوس النساء، وأنا وأنت والآخرون نقبع على ركام الشوارع كالغربان ) )ص107.
نود هنا أن نشير مرة أخرى إلى الهجائية المقذعة التي يوجهها الخطاب إلى مجموع الشعب وإلى الفقراء والأميين هؤلاء الذين يفترض أن يكون لصالحهم لأنهم هدف التوجه الإيجابي وأكثر فرضياته ينشئها ليقدم حلًا أو أكثر من أجلهم، والذي يُوَجِّهُ الخطابَ، كما تصوره الرّواية، شابٌّ ترك أسرته بعد صراعٍ، والتجأ إلى أحد الأحياء الفقيرة ليعيش هناك ويساعد الفقراء، ويبذل كلّ ما يحصل عليه من أجلهم، ونعلن الاندهاش من هذا التناقض بين السلوك الفوهي للشخصية وبين السلوك الفعلي.
الذات رؤية الماضي والحاضر:
مدخلًا إلى البحث في مقولة الماضي والحاضر يُطلق الخطاب حدّين متناقضين ظاهريًّا في توصيف الواقع، الحدّ الأوّلُ يعتمد نسبة الذات إلى (الآخر) الذي يعي تاريخ (الذات) أكثر من أبنائه:
(( بلغ انغماسنا في الحاضر أننا نجهل كل شيء عن ماضينا ) )والحدّ الثاني: يعتمد نسبة جزء من الذات إلى جزء مكوّن ثان فهو يرصد الواقع من منطلق مغاير للحد الأوّل، وربّما يكون في مقاربته للواقع أكثر تعمقًا (( بلغ من انغماسنا في الماضي أننا نجهل كل شيء عن حاضرنا ) ).