فهرس الكتاب
وهذا وعي متطور في الخطاب لعلاقات الذات والآخر على النقيض من العداء الأعمى الذي كان يتبناه بعض المثقفين في المجتمع ويستخدمون خطابًا ارتجاليًا يتحول إلى عداء فوهي أكثر الأحيان؛ لأنّنا نجد سلوكًا آخر لهم يسقط هذا العداء ويسقط مدعيه في تناقض فادح؛ لأن منشأ هذا العداء ليس تناقضًا جوهريًا مع الآخر؛ وإنما هو تناقض في الأشكال وتناقض يعتمد النزوع إلى الاختلاف والمباينة فحسب: (( أنت على الأرجح درست في الخارج، والذين تلوثوا بالفكر الأوربي لا يستمرئون عقيدتي ) )ص98.
(( جميل، جميل كان الله في عونك، لقد لوّث التعليم الأجنبي ذهنك ) )ص185. ويأتي الموقف النقيض ليشير إلى هذه العدائية الهشة: (( ما يزال بي ثمة موضع صغير للشك، خاصة حين يكون ما نحصل عليه من أوربا امرأة جميلة، إنني أعرف ماذا يعني احتواء امرأة مثلها ولو لخمس دقائق ) )ص188.
لابد أن تمييع المواقف واضح في هذا القرن، وذلك بطريق (تجنيس) العلاقات الحضارية ويقوم الخطاب باستشراف رؤية حضارة الآخر وفق مقاييس روحية تُعَمِّقُ فيها بعيدًا لتغوص في أغوارها لتسير كنهها وتتوصل إلى (( إنها حضارة غير سعيدة، بل حزينة جدًا لماذا؟ لأنها مهووسة بالألم ويملأ ظواهرها الموت.. ولا تنس أن المأساة فنّ غربيّ نحن قد نكتب قصيدة حزينة أو مرثاة. ولكن في الغرب يجب تمثيل الأمر كلّه على المسرح والموت يجب أن يُرى ويؤله، حتى أنيتا وهي من فيينا توحي لك، حين يستبد بها الشبق والشهوة بهوسها بالألم أو الموت.. ) )ص188.
لم يتوقف الخطاب عند دراسة الآخر في علاقته بالذات فقط، وإنما حاول استكناه الرّوح والنفس الحضاريين للحضارة الغربية وهي خطوة أخرى على طريق معرفة الذات؛ لأن مقولة الذات كما أسلفت نشأت مقولة نسبية في أحد جوانبها وهو الجانب الأهم، وبذلك يتوجه وعي الخطاب إلى وعي أزمة الآخر أيضًا، لأن في ذلك إضاءة ورفدًا لوعي العلاقة بين الذات والآخر.
وعي الآخر للذات: