فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 470

ولكن هذا التقدير يفقد أكثر الأحيان موضوعيته ليخلق من العالم الذي يتوجه إليه (عالم الذات) عالمًا وهميًا ليجاور به حضارته التي أفقدته كثيرًا من عناصره الإنسانية فيلجأ إلى التعويض في عوالم أخرى خارجة عن عالمه.

لقد سادت في الغرب نظرة إلى المدينة العربية خاصة مدينة بغداد تتوهمها مدينة ألف ليلة وليلة مدينة الأحلام والمكائد السياسية والنسوية ولا تعي حقيقتها التي وصلت إليها عبر تراكم التأزم الحضاري وعبر انتقال حركة التاريخ من طور إلى طور: (( كان عدنان يريد برايان فلنت أن يتعرف على بغداد من الداخل لا مدينتك الخيالية التي تغص بالشيوخ والحريم بل المدينة الحقيقة الفقيرة، المليئة بالناس الذين يجوعون ويحبون ويكرهون ويقتلون ) )ص71.

هذه الرؤية الوهمية التي تستوعي المدينة العربية وفق وهمها الذي شكلته عبر مداخل كثيرة، أحدها- وربما يكون أهمها- المدخل الاستعماري الذي يخدم توجهات الدوائر الاستعمارية الغربية، ويظهر ذلك من خلال محاولة تغطية الظواهر الحضارية السلبية بغطاءات ذهنية تزيينية بل تزييفية لفحوى الواقع، وهذا ما يوصّف التباين في الرؤية، التباين الشديد في تَوَجُّهِ كلٍّ من الآخر والذات نحو الذات؛ فالآخر ينظر إلى وقائع الواقع من خارجها يتعامل معها مكتشفًا ومسيطرًا على حسّه الحضاري نحوها؛ لأنها لا تعنيه مباشرة ولا تشكل جزءًا مهمًا من نفسه الحضارية، فلذلك سيراها مغتربًا عنها بالمعنى الانتمائي الحضاري ويحمل مكتشفاته ويغادر (الجزيرة التي وجد كنزه عليها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت