فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 470

لقد استطاع الخطاب تسجيل انتباه عميق محمّل بالدلالة؛ أولًا: على الأفق الحضاري الواسع لمنتجه، وثانيًا: على قدرة جبارة على إدراك المواقع المشتركة، وإدراك حركة الانتقال بين الحضارات، وهي نقطة مهمة وخطيرة في الحسبان التاريخي، وقد نوقشت من منظور مختلف في بداية عصر النهضة العربي، إلا أن جبرا تناولها بمفهوم حضاري دقيق بعيدًا من البحث في الأشكال والمظاهر.

إن المقياس الذي ينسب إليه الخطاب هو الانتماء الديني ولكن ليس الانتماء التاريخي المُكتسب الوراثيّ إنما الانتماء الفكري المكتسب الاختباري الذي يعي الإنسانُ من خلاله العالمَ ويدركُهُ وفقَ التصوّرات التي استقرت في ذاته، فالمثقفون العرب الذين يستقون إدراكهم من منجزات الحضارة المسيحية هم مسيحيون، ولو كان انتماؤهم الوراثي إسلاميًا، وهم بذلك ينسلخون من قوميتهم الحضارية المرتبطة بالإسلام إلى قومية حضارية أخرى مُباينة هي حضارة الغرب المسيحية والانتماء يتحدد بالسلوك الذي يميز الغرب المسيحي (المصاب بالهوس والبحث عن تحطيم الذات وعن الموت عن اللاجدوى واللاهدف) عن الشرق المسلم الذي وَجَدَ ما يبحثُ عنه، وَجَدَ هدفَهُ منذ قرون وهو كما يُستنتج من النص السابق (الإسلام) .

الذات والآخر في السفينة؛ الوعي الشاعري:

مقولة التقدم: المقولة الهاجس، والاهتمام الحتمي والافتتاحية التقليدية لكلية الخطاب عند جبرا تظهر مرة ثالثة في مبحث الذات والآخر ويمتد ظهورها هنا في مساحة الزمن نحو العمق التاريخي نحو البداءة الحضارية. زمن البدء بحلم الحضارة ليفحصها وفق النظرة الشاملة إلى العالم وإلى الكون ووفق منظور ثالث بل منظور جديد (الوعي الشاعري الوعي المطلق) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت