فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 470

أتدري كان الإنسان البدائيُّ الذي يعيشُ على القنص في البراري أكثر حظًا منا، كلّ يوم لديه اختيار أكيد، مجابهة للخطر، وهو دائمًا على شفا الكارثة. وما بقاؤه إلا نصرٌ يتجدد كلَّ يوم: أما بقاؤنا؟ ها إننا نبقى رغم أنوفنا. إنه بقاء سالب منفعل تعودنا أن نرضى به. ولا هو نتيجة لفعل منا. بحيث أصبحنا قادرين على العيش عيشة آلية، ما علينا إلا أن نحرك أذرعنا وأقدامنا مسيرين بالطبع فنأكل- أي شيء- نشرب وننجب الأولاد ونسعى والرأس قبل القدم إلى الحفرة المحتومة هذا هو التقدم.. أشبه بتقدم الحالة المرضية... أما أنا فأوثر الحياة البدائية: لا أصدق أحدًا، ولا أدعي الصدق لأحد )) ص19.

وهُنا يظهر بعدٌ توصيفيٌ أحادي التّوجّه نحو التّقدم هو التوصيف الهجائيّ الذي يتناول العالم الراهن والفائت من منظور أكثر شمولًا خارج نطاق الذات والآخرة، وإنما يتخذ تصوّر الذات معزولًا مرئيًا في شمول العالم ضمن الحسّ الاغترابي، وينطوي مفهوم التقدم على مفهوم الفعل في العالم والانفعال به. وفقدان هاتين العمليتين المتلازمتين يعني فقدان التقدم في مفهوم الخطاب، ويحكم على التقدم الراهن حكمًا يَسْلُبُه فيه صفته كفعل إيجابي بل يوصّفه توصيفًا لا يمكن أن يترك له مجالًا للتعبير في المستقبل؛ لأنه يتقدّم نحو السلب كتقدمِ الحالة المرضيّة.

(( بين السّلطة والاستبداد؟ بين السلطة كرعاية. والسّلطة كاستغلال، السلطة كتنفيذ لإرادة الأمة والسّلطة كتنفيذ لإرادة العُشْر الواحد كان التاريخ دائمًا كذلك. التاريخ، كما يقول البعض هو قصة صراع الحرية مع الطغيان، صراع الروح مع المادة، ولكنني أرى أن كميّة الطغيان في أية فترة في العالم، تساوي كميّة الطغيان في أية فترة أخرى وهكذا الحرية على الأرجح.. بلد تزيد فيه الحرية، وبلد آخر يزيد فيه الطغيان فئة تنطلق وفئة تتغلق، وهلم جرا... ) )ص123.

(( قليلون هم الطغاة الذين يعترفون بأنهم طغاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت