فهرس الكتاب
ربّما يكون الخطاب في السفينة ردًّا على الغائبات الخطابية الدلالية التي قصّر بها خطاب "صيادون" فيأتي بمتممات المواقف التي لم يتخذها سابقًا؛ فمثلًا الموقف المباشر من السّلطة، الغائبُ سابقًا، بل كي نكون أكثر دقّة نقول: إن الموقف الفوهي المباشر في توصيف السّلطة وتوجيه العنف اللغوي نحوها لم نجده واضحًا جدًا في "صيادون" على الرغم من العداء الواضح في مجريات عالم الخطاب بين السّلطة كمؤسسة قمعية ينظمها القمع وبين المثقف كفرد غير منتظم في أيّ مؤسسة سوى المؤسسات الوهميّة التي تنشأ في ذهنه، وهي مؤسّسات اعتبارية لا وجود لها في الواقع وهي "متجذّرة" ذهينًا؛ كالمؤسسة الثقافية مثلًا، التي تتنافس فيما بين عناصرها التنافس الذي يُفضي آليًا إلى الإخفاق في المواجهة. لكن هذا الموقف يتضح في الاقتحام الخطابي التالي:
(( التحدي الأهم بالنسبة لي هو السّلطة، السلطة كشِرْعةٍ اتفق عليها البشر منذ أيام السّومريين والفراعنة. أين الحدّ الفاصل ) ).
وينتقل الخطابُ إلى بحثِ قضايا جوهريةٍ، بل قضايا تشكل المكوّنات الرئيسية لمفهوم التقدم، والأصح التغيّر، ويدعوه الخطاب "التحرك نحو المستقبل" ولكنه ينتبه إلى أن هذه القضايا مرتبطة بالأفراد وليس بالجماعات، وعندها لن تكون مثمرة كما يرتجى، فالصراع يعدُّ قضية مهمّة في نظر الخطاب ودليلًا أهم على ديمومة الحيوية واستمرار التحرك نحو المستقبل ومغادرة الرّيث الحضاري، إلا أنَّ هذا الصّراع قَيْدُ الفردية: (( الصّراع لابدّ منه. إنه الدليل على أن الأمة حيّة. عندما تتحجر الأمة، وتجف قوة الصّراع، تبقى إرادة الأفراد؛ فإذا ظهر أفراد يستمرون بالصراع في آرائهم، في تجاربهم؛ فإن الأمة لها أن تأمل في التحرّك نحو المستقبل من جديد في حياتنا مازال الأفراد هم المصارعون ) )ص124.