فهرس الكتاب
مساحات دلالية مباينة لما رأيناه سابقًا، فالرّوح (المصطلح الذي كان ينتمي إلى الثنائية التقليدية [الرّوح والجسد] (وفق المفاهيم الغيبية للروح) أصبح في خطاب السفينة دلالة إنسانية حضارية سلوكية، وارتبط بمفهوم الحريّة، والجسد (المصطلح الدنيوي الذي كان طرفًا في حدّي الصراع الدائر حول هذه الثنائية فَقَدَ تكوينه اللفظي ودلالته اللغوية الخطابية وانتقل إلى مصطلح أعم وأكثر دلالة على كليّة محتويات العالم هو(المادة) وحُمِّل المصطلح الجديد دلالة سلبية، بل حمل الدّلالة السلبية العظمى في مرحلة التاريخ الإنساني المعاصر الذي وعى بدقة هذه السلبية (الطغيان) ويطرح الخطاب هذه المقولة في مرحلة كان مصطلح المادة المصطلح السائد، بل مصطلح السّلطة العظمى في مضمار الفكر الإنساني الحديث إذا بنى العالم المعاصر في أكثر تجلياته على هذه المقولة (المادّة) .
(( التاريخ هو قصة صراع الحريّة مع الطغيان صراع الروح مع المادة ) )ص123.
ويتلمس الخطاب موقع الذات في هذا الصراع، فلا يهتدي إلا إلى اللاجدوى والهباء "الحلقة المفرغة" والتراوح بين الحلم في المساواة وإطلاق الثورات في محاولة لتحقيق هذا الحلم الذي يحافظ على كونه حلمًا دون أن يتحقّق ويستمّر العالم على طبيعته (الصراع) بين السلب والإيجاب، وهذا لا يقتصر على الذات فقط، وإنما هو قانون الإنسانية جمعاء. والنتيجة الحتميّة لهذا الصراع الدائر دائمًا انهزام الثائر المثقف الذي يطلق القوى الفعالة بل التي يفترض فيها أن تكون كذلك؛ فهي تتوجه في النهاية ضدّه، فتكون الحتميةُ الأخيرةُ انعزالَهم عن مجتمعهم وعالمهم انعزالًا يجعلهم في منظور أحد المفاهيم الفكرية ينتمون إلى فئة اجتماعية طبقة اجتماعية غير فاعلة، ينافي مصالحَها وكينونَتَها البحثُ عن الحلم الإنساني في المساواة؛ لذلك تسعى إلى الإبقاء على الواقع المتمايز وتبحث عن مثبتات له، وينتمي المثقف آليًا إلى هذه الطبقة بعد إخفاقه.